د. الهيثم الكندي يوسف
إن الانهيار المتسارع للجنيه السوداني، ما هو إلا انعكاس لخلل هيكلي تراكم عبر سنوات من السياسات الخاطئة، وقد جاءت الحرب الحالية لتضاعف من آثاره الكارثية. فخلال أيام قليلة فقد الجنيه السوداني أكثر من 25% من قيمته، مما شكل ضغطاً كبيراً على ميزانيات الأسر السودانية التي كانت تعاني أصلاً جراء انعكاسات الحرب، ليدفع بالبلاد نحو أزمة معيشية غير مسبوقة.
العلاقة بين التضخم وسعر الصرف:
هي علاقة طردية تبادلية وتكاملية، حيث يؤدي انخفاض قيمة العملة (ارتفاع سعر الصرف) إلى زيادة التضخم، والعكس صحيح. أما من حيث تحديد المتغير التابع والمستقل، فالأمر يعتمد على زاوية الدراسة، لكن عندنا في السودان غالبا ما يكون سعر الصرف هو (المتغير المستقل) بسبب الاعتماد الكبير على الاستيراد، فإن انخفاض قيمة الجنيه السوداني في السوق الموازي يرفع فوراً من تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار. بينما التضخم هو (المتغير التابع) والذي يتأثر بشكل مباشر وسريع بتحركات سعر الصرف.
ورغم أن سعر الصرف يمثل (المتغير المستقل) في كثير من الأحيان، إلا أن التضخم المرتفع يصبح بدوره (متغيراً مستقلاً) يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للجنيه، مما يدفع الأفراد والشركات إلى الدولرة (شراء العملات الأجنبية للحفاظ على قيمة مدخراتهم)، وهذا بدوره يضغط على سعر الصرف ليرتفع مجدداً.
كما إن طباعة النقود لتغطية العجز الحكومي ترفع التضخم أولاً (متغير مستقل)، مما يضعف الجنيه ويدفع سعر الصرف للارتفاع (متغير تابع).
لهذا يمكن توصيف العلاقة بإعتبارها تغذية مرتدة، إذ يتبادل كل من سعر الصرف والتضخم الأدوار بين المتغير المستقل والمتغير التابع (أي يعتير كل منهما سببا ونتيجة في ذات الوقت).
إن فهم مسببات هذا التدهور في قيمة سعر الصرف هو المفتاح لصياغة الحلول، فإن كان السبب الرئيسي في هذا التدهور هو عجز الميزان التجاري، فإن العرض غير المرشد للنقود يعتبر سببا لا يقل أهمية، فهو من المشكلات الهيكلية التي ساقت هذه النتيجة. بيد أن ذلك لم يحظ بالنقاش الكافي، لهذا رأينا أن نقدم دراسة للمشكلة (الافراط في عرض النقود)، وكيف تؤثر على سعر الصرف، وكذلك المقترحات والحلول بغرض تجاوز هذه الأزمة.
تشخيص الأزمة: وحش التضخم المستتر
تتداخل عدة عوامل نقدية وسياسية في إشعال الأزمة أبرزها:
انفلات الكتلة النقدية: تعد الكتلة النقدية أحد أهم محددات التضخم والمتحكم في تحديد سعر الجنيه مقابل العملات الحرة. المخطط الاقتصادي الحصيف يضخ كمية نقود تتوازن مع حجم الناتج القومي، لأن أي تجاوز يؤدي إلى رفع التضخم بذات معدلات الزيادة. للأسف فإنه ولسنوات طويلة لم يأبه صانع القرار الاقتصادي لهذه القوانين العلمية المتعارفة، فتجاوز في عرض النقود ظناً منه أنه يقوم بانقاذ الموازنة العامة من الانهيار، بينما كان في الحقيقة يخلق وحشاً مستتراً أظهر وجهه المخيف أخيراً.
هروب النقد خارج الجهاز المصرفي: يعاني الاقتصاد من عدم مقدرة الجهاز المصرفي على إدماج الكتلة النقدية داخل المصارف، حيث تقدّر النسبة الموجودة داخل البنوك بأقل من 10% من جملة النقد المصدر. هذه نسبة معكوسة إذ يجب أن تكون الكتلة داخل الجهاز المصرفي في حدود 90%. هذا الوضع يضيع فرصة استثمارية وتنموية كبيرة، ويسهل استخدام النقود السائلة في أنشطة مخالفة للقانون، أبرزها تجارة العملة التي يصعب على الجهات الأمنية تتبعها.
الإنفصال الإداري والعملة المستبدلة:
أدى الانفصال الإداري لدارفور والمناطق التي تسيطر عليها المليشيا إلى خروج جزء كبير من النقد عن سيطرة السلطة الاقتصادية للدولة. وما زاد الطين بلة هو أن العملة القديمة لا زالت مبرئة للذمة في مناطق المليشيا، والتي تقوم بطباعة المزيد منها، مما يخلق طلباً إضافياً على السلع والخدمات المنتجة في مناطق السلطة الشرعية، الشئ الذي ينعكس مباشرة على التضخم وبالتالي علي سعر الصرف.
الحلول والمقترحات والأدوار المطلوبة لتجاوز هذه المرحلة:
يجب تبني حزمة من الإجراءات النقدية والأمنية الصارمة، وتوزيع الأدوار وذلك على النحو التالي:
1.خطة لسحب السيولة (دور البنك المركزي والسلطة التنفيذية):
نوصي بتبني خطة لسحب السيولة، وحبذا لو تبعها تغيير للعملة الوطنية وإلغاء إبراء ذمة العملة القديمة، علي أن يتم إسقاط ثلاثة أصفار من العملة الجديدة. فبخلاف الأثر النفسي فإن هذا الإجراء سيجبر الكتلة النقدية الهاربة (الـ 90%) على التدفق نحو المصارف لتبديلها، ويعطل القدرة المالية للمليشيا والكتلة النقدية المطبوعة خارج سيطرة الدولة، مما يوقف الطلب على السلع في مناطق السلطة الشرعية.
2.كبح جماح عرض النقود (دور البنك المركزي ووزارة المالية):
ضرورة الالتزام الصارم بالقوانين المتعارفة عبر ربط ضخ النقود بحجم الناتج القومي الفعلي، ووقف الاستدانة من البنك المركزي لتمويل الموازنة العامة (الطباعة بلا غطاء). عن طريق ذلك نستطيع السيطرة علي معدلات التضخم ليتوازن عرض النقود مع الواقع الاقتصادي الفعلي.
3.تغذية الموازنة العامة بموارد حقيقية (دور وزارة المالية) :
لتلافي اللجوء إلي تغذية الموزانة بطباعة نقد يفاقم المشكلة، يجب الإجتهاد في زيادة الموارد وتعدد مصادرها، وذلك عبر تشجيع الانتاج والمنتجين خاصة الذين تأثرت مشاريعهم بالتخريب، وكذلك عبر التوسع الافقي للتحصيل الضريبي.
4.رقابة وحوسبة التعاملات المالية (دور الجهاز المصرفي والمؤسسات الحكومية):
يجب تسريع وتيرة التحول الرقمي وتفعيل الدفع الإلكتروني الإجباري للمعاملات الحكومية، وتقديم حوافز للمودعين لإعادة الثقة في النظام المصرفي. حتي نتمكن من محاصرة حركة النقود السائلة (الكاش) خارج القانون، وتوجيه السيولة نحو مشاريع استثمارية وتنموية تخدم الاقتصاد الكلي.
5.الحسم والتعقب اللوجستي (دور الجهات الأمنية والقضائية):
علي السلطات تفعيل قوانين الطوارئ الاقتصادية وتشديد الرقابة على أسواق العملة الموازية، وتتبع شبكات المضاربة بالعملات الحرة. فعن طريق ذلك نتمكن من حماية الجنيه السوداني من المضاربات وتأمين المنافذ لضمان عدم تسرب السلع والخدمات بطرق تضر بالسياسة الإقتصادية للدولة.
خلاصة القول إن إنقاذ ميزانيات الأسر السودانية ووقف تدهور الجنيه يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، وتنسيقاً متكاملاً بين السياسة النقدية للبنك المركزي، والسياسة المالية لوزارة المالية، والقبضة الأمنية للبلاد.
كما إن الالتزام بالقواعد الاقتصادية النقدية العلمية يعتبر طوق النجاة للعبور بالسودان من هذه الأزمة الحرجة.