فيما ارى
عادل الباز
“هذه الكتابة محاولةٌ لاستحضار زمنٍ كان فيه الإنسانُ هو رأس المال الأغلى، والقيمة الأسمى في الحياة.”
1
النبأ الحزين… ابريل 2026
اعتقلت السلطات الإماراتية رجل الأعمال محمد خليل عثمان على خلفية صفقة عقارية دون إبداء مبررات معلنة. وتقول القصة، بحسب مصادر موثوقة، إن محمد خليل باع منزلاً يمتلكه في منطقة “كافوري” لشركة سودانية تحت الرادار الأمريكي، وعندما حُوِّلت الأموال له في دبي حيث يقيم، استولت السلطات الإماراتية على المبلغ المُحوَّل بدعوى وجود شكوك حول مصدر المال. هذه هي القصة التي فجرت في داخلي نهراً من الذكريات.. تدفقت بهدوءٍ مثل بحر أبيض.
2
تمنيت أن يكون “محمد خليل عثمان” اسماً لآخر لا أعرفه، فالخوفُ دواءُه عدم العرفة! ولكن حين دققت في الخبر، وجدت أن هذا الاسم ووالده أعرفهما كما أعرف جوع بطني.. وكيف لا؟ اخرجنا خليل عثمان من ظلامات جهلنا إلى فضاء النور في مدينة العلم.. الدويم.. الراقدة بسلام في أحضان بحر أبيض، ناثرة عطرها وشعرها على ضفته الغربية، بعضه يلزم الكتف وبعضه يتبعثر.. حياها الغمام.
الان جاء يوم شكر خليل عثمان، ومن المؤسف أن هذا اليوم جاء بعد ثماني سنوات حسوماً من رحيله وفي مناسبة محزنة، فيا لقلة وفائنا لمن أحسن إلينا.. يا ويح نفسي.
3
لم يكن خليل عثمان اسماً في عالم الاقتصاد فقط، إنما كان هرماً وإرثاً بقياً في حياتنا نحن أهل الدويم؛ عارفو فضله. عرفت خليل عثمان الرجل الودود اللطيف الشهم وأنا طفل، إذ كان صديقاً حميماً لخالي الريح الشيخ، ثم أدركته في زمن آخر ونلت من خيره وأنا طالب في الثانوي. وقتها لم يكن في مدينة الدويم سوى “مدرسة النيل الأبيض الثانوية”، والمنافسة فيها كانت صعبة، فتطلعت الدويم لابنها خليل عثمان، ولم يكن هناك غيره؛ فسارع بتأسيس مدرسة الدويم الشعبية (بنين وبنات)، وتلك هي المدرسة التي تخرجت فيها، ومنها عبرت أجيال إلى جامعة الخرطوم.
4
في جامعة الخرطوم.. كانت أيادي خليل عثمان ممدودة لكل أولاد الدويم.. كان وقتها خليل ملك صناعة النسيج حين أسس مصنع النسيج السوداني ببحري، وأذكر أنني عملت في هذا المصنع وأنا طالب في جامعة الخرطوم في قسم الأمن الصناعي، وذلك في ثمانينيات القرن الماضي. هناك عرفت خليل عثمان الإنسان.. وما أروعه من إنسان! سأحكي لكم قصة واحدة من قصصه الكثيرة والعجيبة.
5
يومها وصلت إلى المصنع باكراً على غير العادة، وفي البوابة وجدت حشداً من العاملين مُنعوا من الدخول، فأدركت أن مشكلة كبرى قد حدثت؛ إذ كان المصنع يسير بدقة متناهية في مواعيده وإنتاجه وإدارته الصارمة (رحم الله عوض إبراهيم سعيد المدير وقتها). وأنا أهم بالدخول -باعتباري مسؤولاً في قسم الأمن الصناعي- وصلت عربة خليل عثمان وتوقفت عند الباب، فتقدمت نحوه وسألني عما يجري، فقلت له إنه تم القبض على عامل سرق “استبة” (وهي قطع قماش من الدمورية).. فتعجب، وطلب مني أن أدعو له مديري الإدارات بالمصنع لاجتماع عاجل. وبالفعل عُقد الاجتماع في أقل من نصف ساعة وحضره العامل المتهم ومعه حراس البوابة.
بدأ خليل عثمان ذلك الاجتماع والدموع تترقرق في عينيه والعبرات تخنقه.. فتحدث وقال: “إن الذي جرى اليوم لا يشبه خليل عثمان ولا مصنعه ولا عماله”. والتفت إلى مديري المصنع وقال لهم: “منذ اليوم إذا خرج أي عامل من المصنع ببالات لا يوقفه أحد”، وطلب منهم صرف طاقة دمورية ودبلان للعمال دورياً. ثم التفت إلى رئيس الحرس الذي أوقف العامل فقال له: “لقد جلبت للمصنع ضرراً لا يقدر بثمن بأنك اتهمت عمالي بالسرقة وأنا لا أرضى ذلك، ثم عطلت الإنتاج ساعة ونصف، ثم إن أخاك هذا ليس بسارق، إنما أخذ حقه؛ وهي (استبة) يمسح بها الناس أحذيتهم في المصنع!”. وأكمل: “أرجو أن تعتذر لزميلك ولا تفعلها مرة أخرى”. ثم أمر للعامل بطاقات من الدبلان والدمورية له ولأولاده مع حافز بعد أن قدم له اعتذاره عما جرى ولحق بسمعته. بكى العامل (وهو رجل مسن) طويلاً.. فقام خليل وقبّل رأسه.. ثم عاد قائلاً للمدراء: “الزول عندو جبل دهب ما يمنع الناس لقيط الحتّات.. ما تشتغلوا بالصغائر”. ذلك درس بليغ تعلمته منه.
6
قصة خليل عثمان ليست مجرد سيرة رجل أعمال، بل كانت درساً في كيف يكون الإنسانُ إنساناً قبل أن يكون غنياً. واليوم، وإذ نتأمل محنة ابنه محمد، ندرك أن الخير والحب الذي زرعه الأب في قلوب كثير من السودانيين سيظل حاضراً في نبض كل من عرفوه. سأستمر في سرد ما تيسر من سيرة هذا الرجل، ليس وفاءً له فحسب، بل بحثاً عن معنى العدل والإنسانية الذي نفتقده في زماننا هذا. نواصل..