رأي

جمهورية “المليشيات”

✍🏽د. ياسر محجوب الحسين

في زمن «اللا دولة»، يصبح كل شيء ممكناً إلا بناء الدولة. بينما يغيب الحديث الجاد عن دمج التنظيمات المسلحة في الجيش، تتحرك هذه التنظيمات بحرية تامة، تكبر كومها، تعقد التحالفات البينية، وتُبرم الصفقات على مرأى ومسمع من الجميع. “على عينك يا تاجر”.. أما الدمج فهو حكاية يرويها بعض قادتها في المؤتمرات واللقاءات الإعلامية، يدخلون بها أبواب المزايدة السياسية وشراء الوقت. تصريحات جوفاء لا تُترجم إلى واقع، وإن تُرجمت فإنما على المقاومة الشعبية المخلصة وقادتها فقط. أما «الكبار» في جمهورية المليشيات فلهم حساب آخر.

إن الحقيقة التاريخية التي لا يمكن القفز فوقها، هي أن شرعنة المليشيات بدأت منذ أن مهد الرئيس السابق عمر البشير لمليشيا الدعم السريع سبل التمدد، وشرعن وجودها حتى غدت “دولة داخل دولة”. وعندما سقط النظام، لم تتوارَ لكنها استغلت سيولة ما بعد السقوط لتتحول إلى دولة مكتملة الأركان، مدعومة بتغييرات سياسية مكنت لها النفوذ والمال والسلاح بشكل أكبر. وأمام هذا النموذج “الناجح” في التمرد والاستقواء، يبرز السؤال الوجودي: ما الذي يمنع الآخرين من حمل السلاح – وهو على قفا من يشيل – وحذو حذوها؟ وما الذي يغري القادة المتمردون بالاندماج ما دام خيار “الدولة الخاصة” متاحاً ومجزياً؟

هذا المشهد يعكس حالة “اللا دولة” بكل فجاجتها؛ فالجيش يقاتل وحده في مناطق واسعة، يصد عن الفاشر ونيالا والضعين وغيرها بينما يتفرج «شركاؤه» في الحركات المسلحة. وحين يعود بعض القادة من تمرد مليشيا الدعم السريع، لا يعودون مستسلمين أو بنية الاندماج في دولة مركزية، بل بفهم “مكاسب” جديدة: “حاكورة” مسلحة في قلب الدولة، أسوة بـ”حواكير” جبريل ومناوي وكيكل ومن لف لفهم. المناطق التي يُسفك فيها دم الجنود لا تعنيهم كثيراً. المهم أن تكون لهم إمارة صغيرة أو كبيرة يحكمونها بالسلاح، ويتقاسمون فيها الموارد والنفوذ. هكذا تتشكل معالم “جمهورية المليشيات”: جزر نفوذ مسلحة تتقاسم وطناً يتآكل.

ورأس “الدولة” الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، في ترحال خارجي دائم يشوبه الغموض والسرية. زيارات مرهقة لخزينة خاوية، لا برلمان منتخب ولا حتى معين يُقدَّم له تقارير عن جدواها أو نتائجها. يسافرون ويعودون، وتبقى الدولة في مكانها: منهارة، مفككة، منهوبة. لا حساب ولا محاسبة. الشعب يدفع الفاتورة، والقادة يجمعون “الأميال” الدبلوماسية.

وبينما يتهاوى الجنيه نحو درك سحيق من السقوط، تمعن وزارة المالية في إرهاق المواطن وأصحاب الأعمال بالضرائب والرسوم، لتموّل ميزانية الدولة من الأتاوات والجبايات لا من الإنتاج، ولا من تحسين الصادر، ولا من تشجيع المواطنين على تنمية أعمالهم التجارية والزراعية المنتجة. في “جمهورية المليشيات” يصبح المواطن مجرد ممول دائم لفشل السلطة، بينما تُهدر الموارد في المحاصصات المليشياوية والرحلات الخارجية العقيمة.

أين إعادة الإعمار؟ أين المشروع السياسي الوطني الجامع الذي يُعيد اللحمة لشعب مزقته الحروب والمليشيات؟ لا شيء. فقط وعود مؤجلة، وخطابات سياسية فارغة، وصور لاجتماعات لا تنتج إلا المزيد من الاجتماعات. التنظيمات المسلحة تتوسع، والدولة تتقلص.

هذا هو جوهر “جمهورية المليشيات”: سيادة تكاد تكون اسمية، وواقع مليشياوي كامل. جيش وطني يُحمّل فوق طاقته. قادة يتنقلون بين العواصم الخارجية بحثاً عن “حلول” مستوردة، بينما الحل الوحيد يكمن في فرض سيادة الدولة على كامل ترابها، ودمج حقيقي يبدأ بالجدية لا بالمزايدة، ومشروع وطني يضع السلاح تحت راية واحدة هي راية السودان.

لكن في زمن “الحواكير” المسلحة، يبدو أن هذا الحلم مؤجل إلى إشعار آخر. والشعب، كالعادة، هو الذي يدفع الثمن غالياً.. بالدم والجوع والتشرد، في وطن تحوّل من دولة كانت إلى “جمهورية مليشيات”.

تذكرة: مافي دولة تمسك بتلابيبها المليشيات ممكن أن تكون قبلة للاستثمارات الخارجية “خُمّوا وصُرّوا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى