عبد الله علي إبراهيم
في عيد الأم استعيد هنا بعض ما كانت تمليه عليّ حبوبتي أم أمي جمال أحمد حمد رحمهما الله من ثقافة زمنها. كانت في كبرها قد غادرت البلد، البرصة مركز مروي في كلام زمان، إلى حلة المقرن بالخرطوم لتأمن إلى ابنها خالي عبد اللطيف. وكنت أغشاها أيام الجمع بمنزله أحمل لها حلاوة لكوم التي تحبها. ثم أجلس إليها استمع لمحفوظها من أماديح الشايقية في المصطفى صلى الله عليه وسلم وعن ولع شايقي بالشاي.
ونشرت من حصيلتي هذه مقالين على صفحة “أدب” التي ان يحررها أحمد علي بقادي أسبوعياً بصحيفة الرأي العام في أعوام 1962 و1963. ولبقادي، الذي جعل قسم الأدب بالجريدة من صفحتين لأول مرة، خدمة نادرة لثقافة الستينات. فمن باب تلك الصفحة خرج عليكم محمد المكي إبراهيم، ومحمد عبد الحي، والنور عثمان، ومصطفى مبارك، وعبد الواحد عبد الله، وأحمد الأمين البشير، وجمال عبد الملك (ابن خلدون)، ومحمد عبد الله عجيمي، وعلي عبد القيوم، وعبد الله جلاب، وعلى عمر قاسم، وعبد المنعم … وكثير من فات عليّ تذكر أسماءهم. كما نشرت لاحقاً مقالاً عن مرويات والدتي عن بت أم باركة من شعر خالتها المنى (أم الخضر وعبد الموجود) عن مأثرة جدي حمد ود إزيرق كان عنوانها”حكومة ود إزيرق”.
سأتجاوز في إعادة نشر مقالي القديم القضايا الأدبية التي قدمت له بها لأصل إلى النصوص نفسها. وأنشر المقالات في كتابي تحت الإعداد عنوانه “مدارسي”. فمنذ رضعت من ثدي بت ام باركة ثقافة أهلها صار للحبوبة عندي مقامات عليا بشرت بها في كتابات كثيرة. وفوق كل شيء صار ما دونته عنها ثقافة لا فولكلوراً. فإلى المقال معدلاً:
استبد شراب الشاي بالشايقية. ودخل في نحو ضيافتهم. فتعذبهم مثلاً حسرة الضيف الذي ودع دون أن تبتل شفاهه برشفات منه. وينفعل الشعر فيهم ثم يعود الشاي والسكر وتزغرد الفرحة في أعماقهم ويفرح القلب منهم ويتغنى الشعر بعودته. هذا المسرح الذي أعددته لما سيرد من نماذج يكشف عن اتصال خصب وثري بين الشعر وما يضطرب به الناس من إهانة الذراع والكسب والمزاج والخرم.
غنت امرأة مرة حين حملت تمنتين قمح للتاجر لتبدل به سكراً. ولما شربت الشاي لم يرتاح مزاجها فقالت:
شلته تمنتين قمح
وديته للدكان قمح (أي خسرت)
أداني سَراحتين سرح
وحب شايه شيحتا للكتح
ما سقاني شاي مزبوط سمح
ويا راسي ما خلى النبح
يا قلبي كيف أصبح يوح
الشاي نصيبتو مجلدة
حتى الخواطر كدره
الفي ايدنا كلها ودره
نملا البيوت ونصبح خلا
وأملاكنا جاي يدلله
يا كندمر تور دنقلا (ولي من أولياء الله الصالحين)
؟؟؟؟؟ زاد في الغلا
والما بيشرب الشاي غاشيه شيطان
نعمتن من كريم وسيدي عتمان
بسطتن للإخيات والإخيان (بسطة)
يفرق دوشة الفي الخمرة سكران
يفرق سهرة المعا محبوبته سهران
الزاد المخف للماشي عجلان
أوصيك يا شباب المرقة احذر
لا تجلس مع الشُياب وتبطر (مع العواجيز)
ويقولوا فلاني ان شربت البكوتي تسكر
إن شاء الله اليهزل ها البنات والشاي والسكر
ينقطع ميراثه من الجنة بالمر
ونرى هنا كيف تحول ثمن الشاي إلى شيء أقسى من طلب النخيل (ضريبته). وكيف أنه زاد يمكن تجهيزه سريعا للضيف المتعجل.
وفي كل هذه النماذج يبدو واضحاً اندغام الشعر في حركة الحياة وأشياء الإنسان الصغيرة العادية. وهذا ما كنت أقصده ببعد الشقة بين الشعر الفصيح والحياة وانشغاله بالأشياء التي تجلجل وتدوي، أو التي تهدهد جراح الوجدان الرومنطيقي بأشياء المحافل أو حلقات السمر واللهو العذب.
هذه الشقة لم تثر القاموس الشعري الفصيح كما فعل اندغام الشعر الشعبي بحركة الحياة اليومية حيث أثرى قاموسه الشعري. فكلمات مثل “فاروقه” و”بكوتي” التي وردت في تلك النماذج إنجليزية في الأصل طوعها اللسان الشعبي بالدغم والمط والحذف. ف”بكوتي” من Tobacco أي تبغ. ودخلت “شيب” وهو صوت ارتشاف الشاي، واشتق من نعناع الفعل “نعنعوك”.
إن دراسة جادة في تفتح الذهن الشعبي للكلمات التي تنبع من واقع تطوره ستريحنا كثيرا مما نسمعه من تكلف مرهق يبذله رجال أفاضل في هذا الصدد.