عبدالعزيز يعقوب – فلادلفيا
ayagoub@gmail.com
10 مايو 2026
ليست العلاقة بين السودان وإثيوبيا مجرد علاقة دولتين تجاورتا بحكم الخرائط، بل علاقة صنعتها الأرض قبل السياسة، وكتبتها الجغرافيا قبل أن تدونها الدول. فمنذ آلاف السنين، عاش هذا الركن من إفريقيا داخل معادلةٍ لم تهدأ قط، النهر الباحث عن الاستقرار، والمرتفعات القلقة من الحصار، والبحر الأحمر الذي ظلّ يستدعي الإمبراطوريات إلى ضفافه كلما تبدلت موازين القوة في العالم.
هنا، لم تكن الحدود خطوطاً فاصلة بقدر ما كانت مناطق عبورٍ دائم؛ تمرّ خلالها القوافل والجيوش والهجرات والأديان والأسواق و الأفكار واللغات. وكان النيل يمنح السودان روح السهول المفتوحة وطمأنينة الحضارات الزراعية، بينما منحت المرتفعات الحبشية إثيوبيا شعور القلعة المعلقة فوق الصخر، تلك التي تعيش دائماً بين خوف العزلة وهواجس الانكشاف على البحر.
وفي تلك المسافة المشدودة بين الماء والجبل، قامت مملكة كوش مطمئنةً إلى النيل، تبني ذاكرتها بالحجر والزراعة والتعدين والمعابد، قبل أن تصعد مملكة أكسوم من جهة البحر الأحمر حاملةً تصوراً آخر للقوة؛ قوة تدرك أن السيطرة على طرق التجارة قد تعادل امتلاك الجيوش نفسها.
وحين تقدّم الإمبراطور عيزانا نحو مروي في القرن الرابع الميلادي، لم يكن ذلك مجرد انتصارٍ عسكري عابر، بل تحوّلاً عميقاً في ميزان المنطقة؛ إذ انتقل مركز الثقل من حضارةٍ تستند إلى استقرار النهر، إلى قوةٍ تتحكم في منافذ البحر ومسارات التجارة بين إفريقيا والعالم القديم.
ومنذ ذلك الوقت، بدا القرن الإفريقي وكأنه يعيش على إيقاع قلقٍ لا يخمد تماماً. فكلما هدأت الأرض قليلاً، عادت الأسئلة القديمة لتنهض من تحت الرماد، سؤال السلطة، وسؤال الدين، وسؤال الطريق إلى البحر، وسؤال من يملك حق تعريف هذه المنطقة وحدودها وهويتها.
وفي القرن السادس عشر، انفجرت المنطقة في واحدة من أعنف حروبها مع حملة أحمد بن إبراهيم الغازي، الذي خرج من تخوم الشرق الإفريقي حاملاً مشروعاً بدا وكأنه محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوة في القرن الإفريقي كله. وبالسلاح العثماني، تقدّمت جيوشه نحو المرتفعات الحبشية حتى بدا للحظة أن الإمبراطورية الإثيوبية توشك أن تنكسر.
كانت تلك الحرب أوسع من مجرد صدام جيوش؛ فقد بدت مواجهةً بين فضاءين حضاريين، وبين رؤيتين لمستقبل المنطقة. وحينها تدخّل البرتغاليون لإنقاذ إثيوبيا، لم يكونوا يدافعون عن حليفٍ بعيد فحسب، بل عن توازنٍ استراتيجي أدركت أوروبا مبكراً خطورته.
انتهت الحملة بعد معارك بمقتل أحمد جران عام 1543، لكن الحرب بقيت حيّة في الذاكرة. ففي المخيال الإثيوبي، ظلت صورة الاقتراب من حافة الفناء حاضرة بقوة ، بينما بقي في الذاكرة الإسلامية أثر القائد الذي كاد يبدّل وجه المنطقة بأكملها.
ثم عاد القرن التاسع عشر ليوقظ الصراع مرةً أخرى مع قيام الدولة المهدية، التي لم تكن مجرد ثورةٍ على الحكم التركي المصري، بل محاولة لإعادة تعريف السلطة والسيادة في وادي النيل والقرن الإفريقي معاً.
وحين اصطدمت المهدية بقيادة الزاكي طمل بإثيوبيا، بدا وكأن التاريخ يعيد ارتداء وجوهه القديمة. وفي القلابات عام 1889، سقط الإمبراطور يوهانس الرابع أثناء قتاله قوات المهدية، وهو الرجل الذي ارتبط اسمه بمحاولات فرض التنصير في أطراف إمبراطوريته. وقد نُقل جثمانه إلى أم درمان في مشهدٍ تجاوز رمزية الهزيمة العسكرية إلى دلالةٍ أعمق تتعلق بتحول ميزان القوة بين السهول السودانية والمرتفعات الإثيوبية.
غير أن هذه الجغرافيا لا تعرف النهايات الكاملة، بل التحولات المستمرة. فمن بين دخان الحرب، صعد منليك الثاني، الرجل الذي أدرك أن البقاء في هذا القرن المضطرب لن يكون للأشد بأساً فقط، بل للأقدر على إعادة بناء الدولة والسلاح والتحالفات.
وبعد سقوط الدولة المهدية على يد البريطانيين عام 1898، دخلت المنطقة زمناً جديداً؛ زمناً لم تعد فيه الحروب وحدها هي التي ترسم الحدود، بل الاتفاقيات أيضاً. وفي عام 1902 جاءت الاتفاقية بين منليك وبريطانيا لترسم الحدود الحديثة بين السودان وإثيوبيا، غير أن الخرائط التي تُرسم بالحبر لا تنجح دائماً في إقناع الأرض نفسها. ولهذا بقيت الفشقة جرحاً مؤجلاً في ذاكرة البلدين، ومثالاً على أن الجغرافيا قد تؤجل صراعاتها، لكنها نادراً ما تنساها.
ومع ذلك، فإن اختزال العلاقة بين السودان وإثيوبيا في الحروب وحدها سيكون ظلماً لذاكرة الشعوب. فبين البلدين ما هو أعمق من البنادق وأبقى من الحكومات، ولهذا، لم يكن السودان بالنسبة لكثير من الإثيوبيين والإريتريين مجرد جار، بل أرضاً للعبور والنجاة. وخلال المجاعات والحروب التي عصفت بإثيوبيا في القرن العشرين، فتحت المدن والقرى السودانية أبوابها لموجاتٍ كبيرة من اللاجئين الذين اختلطوا بالمجتمع السوداني وعملوا وتعلّموا داخله، فتكوّنت ذاكرة إنسانية مشتركة ظلت أعمق من تقلبات السياسة.
وهكذا ظلّ القرن الإفريقي يعيش داخل معادلته القديمة: النهر الباحث عن الطمأنينة، والمرتفعات التي تخشى الاختناق، والبحر الأحمر الذي لا يكفّ عن جذب القوى الكبرى إلى هذه البقعة المضطربة من العالم.
ولهذا أيضاً، فإن ما يبدو اليوم خلافاتٍ سياسية تبدو عميقة وخطيرة بين السودان وإثيوبيا ليس سوى فصلٍ جديد من سيرةٍ قديمة لم تنتهِ قط. فالجغرافيا هنا لا تنسى بسهولة، ومن يوقظ خصوماتها القديمة يكتشف متأخراً أن النار في القرن الإفريقي لا تحرق طرفاً واحداً، بل تعيد رسم الخرائط فوق الجميع.