رأي

لماذا يتفكك التمرد من الداخل؟

جرد حساب

عادل الباز

١

ضجّت وسائل الإعلام بانسلاخ قوات النور قبة من مليشيا الدعم السريع وعودتها إلى الوطن. ولم يكن هذا الانسلاخ والخروج على المليشيا حدثًا منفردًا، بل سبقته انسحابات لمجموعات كبيرة في كردفان ودارفور دون أن تُحدث تلك الضجة. غير أن خروج النور، وهو الرجل الثالث في قمة القيادة، يحمل مؤشرات مهمة على أن تفكك التمرد قد وصل الآن إلى أعلى مستويات قياداته الميدانية. وبحسب تقارير صحفية موثوقة، فإن القائد السافنا في طريقه إلى الخرطوم قادمًا من دولة مجاورة. وهذه انشقاقات كبرى يُتوقع أن تحدث في قمة قيادة المليشيا وحواضنها.
٢
الحقيقة أن انهيار وتآكل مليشيا الدعم السريع بدأ منذ الأيام الأولى للتمرد، وظل هذا التآكل يتبدّى بأنماط مختلفة. فأول الانسلاخات جاءت حين عاد أكثر من 400 ضابط إلى صفوف الجيش منذ بداية التمرد. وفي مرحلة لاحقة تحوّل التمرد نفسه إلى مجموعات من “الكسّابة” و“الشفشافة”، حيث غادر كثيرون صفوف المليشيا بما غنموا. ثم بدأت الصراعات داخل الحواضن بعد دحر التمرد في وسط السودان واتجاهه غربًا نحو مناطق النفوذ القبلي.

كما أن طول أمد الحرب لعب دورًا مهمًا في تسريع هذا التآكل؛ إذ أدخل التمرد في حالة استنزاف بشري ومادي، وأضعف الروح المعنوية للمقاتلين، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح. ومع مرور الوقت، تتحول الولاءات من مشروع عام إلى مصالح فردية، ويبدأ المقاتلون في البحث عن مخارج شخصية، سواء بالانسحاب أو الانضمام إلى أطراف أخرى، مما يسرّع وتيرة التفكك.
٣
الناظر إلى نمط حركات التمرد في القارة الإفريقية يجد أن ما يحدث الآن داخل مليشيا الدعم السريع ليس جديدًا أو مفاجئًا، بل هو نمط متكرر في أغلب التمردات التي شهدتها إفريقيا، وحتى السودان، منذ الستينيات وحتى اليوم. فغالبًا ما يبدأ التمرد موحدًا تحت راية سياسية أو إثنية أو أيديولوجية، ثم يتشقق من الداخل، وتخرج من رحمه جماعات أصغر وأكثر محلية، تلتحق بالسلطات القائمة أو تنشئ لنفسها وضعًا خاصًا. ومن أفضل النماذج لذلك تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق والحلو لاحقًا، والذي ضربته انشقاقات مستمرة، وكذلك حركات التمرد في دارفور مع مطلع الألفية.
٤
ظاهرة الانشقاقات التي ضربت عشرات حركات التمرد في إفريقيا، من الكونغو إلى مالي إلى إفريقيا الوسطى وغيرها، ليست هامشية في تاريخ النزاعات الإفريقية، بل تكاد تكون أحد قوانينها الخفية. ويرى الكاتب مايكل ولد مريم أن انقسام الحركات المسلحة يغيّر شدة الحرب ومدتها ونتائجها، وأن تطورات الميدان نفسها قد تدفع الفصائل إلى التشظي أو إعادة الاصطفاف، مستشهدًا بما جرى في دارفور ومالي وشرق الكونغو من انقسامات متعددة.

في إفريقيا، كثيرًا ما تبدأ الحركة المسلحة بوصفها مشروعًا سياسيًا، ثم تتحول إلى اقتصاد حرب. وحين يحدث ذلك، يصبح السؤال المركزي ليس: ماذا تريد الحركة؟ بل: من يسيطر على الطرق؟ من يملك المنجم؟ من يحتكر الجباية؟ ومن يحصل على الدعم الخارجي؟
٥
مع خروج التمرد من وسط السودان متجهًا إلى دارفور وكردفان، برز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تبقى قوات الدعم السريع تنظيمًا موحدًا، أم تدخل بدورها مرحلة التشظي التي عرفتها حركات التمرد الإفريقية من قبل؟ يتفق الباحثون في إفريقيا على خمسة أسباب مشتركة تؤدي إلى انقسام حركات التمرد، وهي تكاد تنطبق تمامًا على هذا التمرد.
٦
أولها أزمة القيادة، وهي ظاهرة ظهرت منذ الأيام الأولى للحرب، إذ اختفت القيادة السياسية والعسكرية المتمثلة في حميدتي عن المشهد، وأصبح على رأس الهرم العسكري عبد الرحيم وعثمان (عمليات)، إضافة إلى قادة المناطق. وكثيرًا ما كان قادة المناطق يتصرفون ويتخذون قرارات دون الرجوع إلى القيادة. ومن أبرز الأمثلة التمدد خارج العاصمة إلى مدني، والذي لم يكن قرارًا مركزيًا بل جاء بصورة عشوائية من قادة المناطق، ثم سايرته القيادة لاحقًا ظنًا أنه سيحقق مكاسب. إلا أن النتيجة كانت تشتيت القوات، مما أدى إلى دحرها وهزيمتها، ليس في الجزيرة فحسب، بل في معظم وسط السودان. وازداد الأمر سوءًا مع تمتع قادة المناطق باستقلالية نسبية، وتعدد الحواضن التي بدأت تمارس ضغوطًا على القيادة، مطالبة بالتسليح والتشوين ومناطق النفوذ والمرتبات والدّيات، مما خلق بيئة خصبة للصراع والانقسامات.
٧
السبب الثاني هو تحول التمرد إلى اقتصاد حرب. فقد أصبح همّ القيادة العليا هو تجارة الذهب والسيطرة على المناجم في دارفور وكردفان. ومن أشهر هذه المناطق مناجم سنقو والأسواق المجاورة لها، وهي منطقة تعرضت للقصف أكثر من مرة لكنها لا تزال تعمل وتصدر الذهب عبر طائرات صغيرة إلى إفريقيا الوسطى ومنها إلى الإمارات. تخضع هذه المنطقة لسيطرة كاملة من التمرد، وتمثل مصدر تمويل رئيسي له. في المقابل، تتربح القيادات الوسيطة من التجارة المحلية والجبايات المفروضة على السلع، أو من النهب المباشر. وبغياب الرقابة والمحاسبة، ومع عدم دفع رواتب منتظمة، يلجأ القادة الميدانيون إلى هذه الوسائل لتغطية نفقات الجنود والجرحى والدّيات. وعندما تمتلك الفصائل مصادر تمويلها الخاصة، تفقد القيادة المركزية أهم أدواتها: السيطرة على المال، ومعها السيطرة على القرار، ليصبح التفكك مسألة وقت. وقد تكرر هذا النمط في الكونغو والصومال ودارفور.
٨
السبب الثالث هو الانقسام الإثني والقبلي، وهو ما بدأ منذ الأيام الأولى للتمرد، حيث انقسمت القبائل داخل ما يسمى بالحواضن. فبعضها دعم التمرد، وأخرى التزمت الحياد، فيما رفضت مجموعات الانضمام إليه حتى من داخل المحاميد (مثل موسى هلال). واليوم يظهر التململ داخل القبائل الكبرى مثل الرزيقات. ومن أبرز تجليات هذا الانقسام ما حدث بخروج النور قبة والسافنا، مع وجود مجموعات أخرى تشكو من التهميش، مثل الحوامة والمسيرية الحمر. وتتجه بعض هذه المجموعات ليس فقط للانسلاخ، بل لمقاتلة التمرد. كما يعبّر بعض القادة بقولهم: “كنا حركة واحدة، ثم أصبحنا فصائل، ثم أصبحنا أعداء”.
٩
السبب الرابع هو فقدان الشرعية. فقد التمرد شرعيته على المستوى الداخلي والخارجي، ولم يعد معترفًا به إلا من قلة محدودة. كما فقد الحاضنة الشعبية، وتحول في نظر كثيرين إلى مجموعات تمارس النهب والانتهاكات. ونتيجة لذلك، أصبح التجنيد أكثر صعوبة، ما دفعه للاعتماد على مرتزقة من دول الجوار، خاصة من جنوب السودان
١٠
كما أن الضغط العسكري الذي تمارسه القوات النظامية أسهم بشكل مباشر في تسريع التفكك، إذ إن الهزائم الميدانية وفقدان مناطق النفوذ تزيد من حدة الخلافات داخل التمرد، وتدفع بعض قادته ومجموعاته إلى إعادة حساباتهم، سواء بالانسحاب أو تغيير مواقعهم.
١١
السبب الخامس هو تراجع الدعم الخارجي، وهو عامل لم يكتمل بعد، لكن المؤشرات تدل على احتمالية تقلصه، خاصة مع التطورات الإقليمية. وأي تراجع في هذا الدعم قد يؤدي إلى تسريع وتيرة التفكك.
١٢
إلى جانب ذلك، يلعب العامل النفسي والإعلامي دورًا مهمًا، إذ إن انتشار أخبار الانشقاقات، حتى وإن كانت محدودة، يخلق أثرًا تراكميًا داخل صفوف التمرد، ويعزز الشعور بأن الكيان يتفكك، مما يشجع آخرين على اتخاذ الخطوة نفسها.
لهذه الأسباب، تتداعى التمردات في إفريقيا؛ فهي لا تنهار دفعة واحدة، بل تنقسم وتتفتت تدريجيًا حتى تصل إلى مرحلة السقوط. وهذا النمط يبدو أنه يتكرر الآن، وقد يقود في النهاية إلى هزيمة هذا التمرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى