الخرطوم تغرق كل عام

م. عثمان الطيب
تتفاقم مصاعب مدينة الخرطوم مع الخريف كل عام، حيث تعجز المصارف القائمة عن تصريف مياه السيول والأمطار المتزايدة، حتى صار الأمر مادة يتندر بها السودانيون والصحفيون كل خريف، الأمر الذي فرض على المسئولين ضغوطا هائلة لعلاج هذه الأزمة المتكررة، التي تتسبب في إغلاق الطرق وهدم المنازل وتشريد السكان، فتتحول المدينة إلى منطقة كوارث تستدعى العون والمساعدة، ولكن بالرغم من كل الجهود والمحاولات، لم تنجح المدينة أبدا في احتواء أضرار هذه السيول والفيضانات، بل تزداد حدتها كل خريف.
لقد تضاعفت مساحة الخرطوم الكبرى، عشرات المرات منذ استقلال البلاد في العام 1956، وقد حدث هذه التمدد الهائل لأسباب عديدة، منها تكاثر سكان المدينة، وهجرة الناس من المدن والقري إليها، ولكن السبب الرئيس يكمن في نوع العمران، حيث يعتمد السودانيون على نمط المنازل المنفصلة في الإسكان، فيحصل كل مواطن على قطعة أرض تتراوح مساحتها من 300 إلى 1000 متر مربع، عن طريق المنح أو الشراء، يقوم ببنائها بنفسه، الأمر الذي أدى إلى تمدد المدينة في جميع الاتجاهات.
توزع سكان الخرطوم في مساحات واسعة، وبذلك قلت كثافة السكان، حيث تبلغ كثافة سكان القاهرة مثلا خمسة أضعاف كثافة الخرطوم، الأمر الذي صعب من مد الخدمات، مثل المياه والكهرباء والطرق والتصريف، لأن هذا النوع من التمدد العمراني يضاعف من تكاليف الإنشاء والصيانة، وقد ساعد على هذا التوسع غياب موانع التضاريس والطبيعة، فالخرطوم تقع على سطح منبسط يخلو من المرتفعات والبحيرات والغابات، بينما ظلت مساحة مدينة مثل برشلونة ثابتة لأكثر من مئة عام.
سبب هذا الزحف العمراني الجائر خللا في تصريف المياه، وذلك بسبب التعدي على مجاري المياه الطبيعية، والتي كانت تنقل مياه الأمطار إلى نهر النيل عبر شبكة واسعة من الوديان والخيران، ولكن مع تمدد العمران، وإنشاء طرق متعددة بمحاذاة النيل، أختل هذا النظام القديم، وصارت المدينة تعتمد على شبكة ضعيفة من المجاري السطحية، لا تستطيع استيعاب الحجم الهائل من مياه السيول، بل تنقل جزء يسير من المياه من مكان لأخر، بعد أن تحول العمران إلى عائق مستمر للتصريف.



