رأي

السودان : حين يُقتلع الرصيف… وتُهدم المؤسسات

مهند عوض محمود

لم تكن ما سُمّيت بـثورة ديسمبر – في تقديري – ثورةً بالمعنى الذي تستحق معه الأوصاف السامية التي أُغرقت بها؛ لم تُنجز تحولًا تاريخيًا مكتمل الأركان، ولم تُقدّم سوى شعاراتٍ واسعة، دون أن تُسندها برؤية دولةٍ حقيقية يمكن أن تقوم على الأرض، بقدر ما فتحت الباب لفراغٍ سياسيٍّ عميقٍ تَسلَّلت إليه فوضى القرار، وتنازعت داخله مراكز قوى بلا بوصلة. لم يكن المشهد في ذروته أكثر من طرقاتٍ تُغلق، وأرصفةٍ تُقتلع، وحياةٍ يوميةٍ تُعطَّل، بينما كانت – في الخلفية – مؤسساتٌ كاملة تُقتلع من جذورها، بهدوءٍ لا يقل قسوة عن ضجيج الشوارع.

وفيما كان بعض المغيبين يظنون أنهم يُسهمون في “بناء المستقبل” عبر تعطيل الحاضر، كانت نخبة النظام الجديد تمارس دون ضجيج هندسةً معاكسة: تفكيكٌ ممنهجٌ لما تبقى من بنية الدولة؛ لا فرق في ذلك بين قطاعٍ عامٍ أو خاص، ولا بين مؤسسةٍ وطنيةٍ أو دولية، فالمعيار الوحيد كان: هل مرَّت هذه المؤسسة، يومًا، من ظل المؤتمر الوطني؟ إن كانت الإجابة نعم، فقد حُكم عليها بالإعدام السياسي.

ومن بين تلك المؤسسات التي سقطت ضحية هذا المزاج الإقصائي، يبرز مثالٌ بالغ الدلالة: مجلس الأحزاب السياسية الأفريقية؛ وهو ليس كيانًا حزبيًا عابرًا كما قد يُتصوَّر، بل مؤسسة ذات صبغة دبلوماسية، قامت على اتفاقية رسمية مع حكومة السودان ممثلة في وزارة الخارجية، وكان يُتعامل معها باعتبارها منصة سياسية قارية تعمل في نطاق العمل الدبلوماسي غير الحكومي، وتُسهم في تشكيل المزاج السياسي الأفريقي خارج القنوات الحكومية التقليدية.

وقبل المضي، لا بد من توضيحٍ منهجي: أنا هنا لا أكتب كمحللٍ يجمع مادته من تقارير، ولا كباحثٍ يقتات على الهوامش والمراجع؛ بل أكتب بصفتي شاهدًا على الوقائع، حضرت البدايات، وواكبت التأسيس، ورأيت كيف وُلد هذا المشروع خطوةً خطوة.

تعود البدايات إلى دعوةٍ وُجّهت من مجلس الأحزاب السياسية لدول أمريكا اللاتينية (COPPPAL) إلى السودان للمشاركة في مؤتمرٍ بالمكسيك، ضمن طيفٍ واسعٍ من الأحزاب العالمية. هناك، لم تكن المشاركة بروتوكولية، بل كانت لحظة وعي: إذا كانت أمريكا اللاتينية قد نجحت في خلق إطارٍ حزبي عابر للحدود، فلماذا لا تفعل أفريقيا الشيء ذاته؟

عاد الوفد، وفي ذهنه مشروع قارة. تشكّلت لجنة، وبدأت صياغة النظام الأساسي وخطة العمل، إلى أن تبلورت الفكرة في مؤتمرٍ تأسيسي عُقد في 27 أبريل 2012، جمع اثنين وأربعين حزبًا سياسيًا من سبعٍ وثلاثين دولة أفريقية؛ أغلبها أحزاب حاكمة، وكلها جاءت تحت سقفٍ واحد، في مشهدٍ نادرٍ في القارة.

وُضعت معايير عضويةٍ دقيقة: تمثيل كل دولة عبر أكبر حزبين في برلمانها — الحاكم والمشارك — لضمان التوازن. وبالإجماع، فاز السودان بمقعد الأمانة العامة، وبشرف استضافة المقر، ليصبح منصةً تُصاغ فيها سياسات القارة.

تكوّن المجلس بهياكل متكاملة: جناحٌ للمرأة، وآخر للشباب، وثالثٌ للمنظمات، إلى جانب مجلسٍ اقتصادي؛ وعقد عشرات المؤتمرات، ووقّع مذكرات تفاهم مع الاتحاد الأفريقي، ومع ICAPP — وهو مجلس الأحزاب السياسية الآسيوية، إطار قاري يجمع الأحزاب في آسيا لتعزيز الحوار والتعاون السياسي فيما بينها — إضافة إلى COPPPAL. ولم يكتفِ بالتنظير، بل نزل إلى الميدان: ساهم في جهود الوساطة في أفريقيا الوسطى، وشارك في مراقبة الانتخابات في كينيا وغينيا الاستوائية، وأسهم في بلورة مواقف برلمانية مشتركة حول قضايا حساسة.

كان ذلك، ببساطة، مطبخًا سياسيًا أفريقيًا يعمل من الخرطوم؛ نافذة نفوذٍ ناعمٍ، وأداة تأثيرٍ تتجاوز الأطر الرسمية، وتُعيد للسودان موقعًا قياديًا في القارة.

لكن، في ذروة الحماسة لتفكيك كل ما يمتُّ للنظام السابق بصلة، لم يَسلم هذا الصرح ؛ فصودرت مقاره، وجُمّدت أنشطته، لا لخللٍ في أدائه، ولا لانحرافٍ عن غايته، بل لأنه — ببساطة — وُلد في زمنٍ لم يعد مقبولًا. وهكذا، وبقرارٍ إداريٍ بارد، خسر السودان مؤسسةً كانت تعمل وفق اتفاقٍ دولي، وتحمل صفةً دبلوماسية، وتُشكّل إحدى أدواته النادرة للتأثير القاري.

المفارقة الساخرة – حد المرارة- أن الذين كانوا يقتلعون الأرصفة بحجة “فتح الطريق للمستقبل”، انتهوا إلى هدم مؤسساتٍ كانت بالفعل تفتح طرق السودان نحو أفريقيا. لم يُدركوا أن السياسة ليست ثأرًا من الماضي، بل استثمارٌ في الممكن؛ وأن الدول لا تُقاس بقدرتها على الهدم، بل بقدرتها على توظيف ما لديها من أدوات قوة، حتى لو وُلدت في سياقاتٍ لا تعجبها.

واليوم، بينما يمضي الإقليم في إعادة تشكيل توازناته، يقف السودان خارج كثيرٍ من دوائر التأثير التي كان يومًا جزءًا من مركزها؛ لا لأنه يفتقر إلى الإمكانات، بل لأنه أدار ظهره – بوعيٍ أو بدونه – لأدواتٍ كانت كفيلة بأن تبقيه في قلب المشهد.

وهكذا، لا تبدو القصة مجرد خطأ سياسي عابر، بل نموذجًا مكثفًا لكيف يمكن أن تتحول لحظةٌ يُظن أنها “بداية جديدة”… إلى قطيعةٍ مع كل ما كان يمكن أن يكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى