السفير عطا المنان بخيت
تناولنا فى الحلقات السابقة سير زعماء عظماء كان دورهم حاسماً في تثبيت عرى الدين الإسلامي في السودان الغربي في الفترة الباكرة من دخول الإسلام إلى المنطقة، فكان هذا الرعيل الصالح هم جيل البدريين السباقين. وأوضحنا من خلال هذه السير العطرة، أن الممالك الإسلامية الأولى، كانت أشبه بالسلسلة المتصلة التي تكمل بعضها بعضاُ، في سياق الزمان والمكان، وكانت كل مملكة تفسح المجال لمملكة جديدة تتوسع في الجغرافيا والديمغرافيا. فمملكة التكرور تمددت في منطقة فوتا تورو شمال السنغال الحالي، بينما توسعت حركة المرابطين في صحراء السودان الغربى، وأدى تحالف المرابطين والتكرور لإنهاء أمبراطورية غانا الوثنية، التي مهد سقوطها لقيام مملكة مالي الإسلامية، أعظم الممالك الأفريقية.
لقد عاشت مملكة مالي قرونا طويلة بتجليات مختلفة، أشبه بحال الخلافة العباسية، مما جعل بعض المؤرخين يرون أن مملكة الصونغاي العظيمة التي ورثت مملكة مالي إنما هي إمتداد لمملكة مالي، ولهذا السبب لم نتطرق في هذه السير الى زعماء مملكة صونغاي لا سيما القائد الفذ سيني علي، والزعيم البناء أسكيا محمد، لأن صونغاي حافظت تماما على موروث مالي وطورته.
وتعتبر مملكة صونغاي آخر الممالك الكبيرى في السودان الغربي، بعدها انتشر الإسلام على امتداد الإقليم، ونشأت سلسلة أخرى من الممالك الصغيرة والدويلات والسلطنات التقليدية، سيطرت كل واحدة على نطاق جغرافي محدود. وفي القرن التاسع عشر الميلادي بدأت حركات الإحياء الإسلامي تظهر من جديد، هذه الحركات نشأت في واقع جديد، لم يكن التحدي أمامها هو مقاومة الكيانات الوثنية، كما فعلت الممالك الأولى، ولكن كان التحدي الأكبر أمامها هو مقاومة زحف الاستعمار الغربي الإنجليزي والفرنسي الزاحف نحو السودان الغربي والقارة كلها.
حركات الإحياء الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي قادها عدد من الزعماء منهم على سبيل المثال لا الحصر، الحاج عمر الفوتي، ومحمد أحمد المهدي، وعثمان دانفوديو، وغيرهم، ولكننا سنستعرض في هذه الحلقة سيرة زعيم متميز من قادة حركات الإحياء الإسلامي، هو المامي ـ الإمام ـ المجاهد ساموري توري، وذلك لأن دوره كان متميزا فى بناء مملكة واسعة ، وقيادة حركة مقاومة طويلة وشرسة ضد المحتل الفرنسي حتى أطلقوا عليه لقب نابليون أفريقيا. فمن هو ساموري توري، وماهي مكانته ضمن قادة حركات الإحياء الإسلامي في القرن التاسع عشر ؟
ولد ساموري توري حوالى سنة 1830 في هضبة فوتا جالون في جمهورية غينيا الحالية، لأسرة من قبيلة الماندنغ التي لعبت دوراً أساسياً فى إنشاء مملكة مالي الإسلامية، كما أوضحنا في سيرة المجاهد سوندجاتا كيتا. وكانت تبدو عليه سمات الزعامة والقيادة منذ صغره، ولذلك أهتم به والده بشكل خاص. إحترف التجارة مع والده في شبابه مما أتاح له الفرصة للتجوال في كل أقاليم فوتا جالون ومعرفة تضاريسها ومكوناتها الاجتماعية وقد أفاد من ذلك كثيرا عندما بدأ حركته الجهادية. لم تستهوه حياة التجارة وترحالها، فانضم طوعاً إلى التشكيلات العسكرية القبلية وتعلم فنون القتال وبرع في إستخدم السلاح الناري وفنون التنظيم العسكري وإنضباط الجندية، وشارك في معارك، وسرعان ما ظهرت موهبته القتالية ليصبح قائد حرب متميز يجمع بين الخبرة القتالية والدهاء التجاري والحس الديني بحكم نشأته في بيئة شديدة التدين.
تزامنت نشأة ساموري وصعوده مع مرحلة العصر الذهبى للإسلام في هضبة فوتا جالون خاصة والسودان الغربي عامة، فأصبحت مركزاً دينياً مهماً يوفد إليها الطلاب والتجار والعلماء من كل صوب، مما وفر بيئة خصبة لساموري لاستقطاب الأتباع وإعلان الجهاد ضد القوات الفرنسية الغازية. لم يكن جهاد ساموري ضد الوثنية المحلية، أو ضد كيانات الضرار الإسلامية، وإنما كان جهاده الأساسي دفاعا عن أمته ضد الزحف الفرنسي، وهذا ما يميزه عن قادة حركات الإحياء الإسلامي الأخرى ، في القرن التاسع عشر.
تجلت العبقرية العسكرية والتنظيمية للساموري في مقدرته الفائقة على تكوين جيش جرار من المجاهدين، وإنشاء مملكة شاسعه في فترة وجيزة جداً من الزمان، حيث تمكن في الفترة من 1850 وحتى 1883، من بسط نفوذه في مساحة شاسعة من السودان الغربي شملت أجزاء كبيرة من غينيا والسنغال وليبيريا ومالي وموريتانيا والنيجر وبركينا فاسو، وأطلق عليها مملكة الواسولو، وهى أخر الممالك الإسلامية قبل الغزو الفرنسى.
مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن التاسع عشر، بدأت فرنسا مشروع ربط مستعمراتها في السنغال بالسودان الفرنسي وساحل العاج عبر حوض النيجر الأعلى. كانت إمبراطورية الواسولو تحتل موقع العقدة في هذا الفضاء، فهي تتحكّم في الطرق التجارية الرئيسية وتتحكم فى حركة القوافل والجيوش.
هذا الوضع جعل ساموري عقبة مركزية أمام المشروع الاستعماري الفرنسي، بإعتباره صراع استراتيجي بين مشروعين متناقضين: دولة إسلامية مستقلة ومشروع إمبراطورية إستعمارية متوسّعة. وكان لا بد من المواجهة العسكرية والصدام بين المشروعين.
بدأت المواجهات الكبرى في العام 1882 وإستمرت حتى العام 1898، في شكل معارك مباشرة أو إحتكاكات محدودة وحرب عصابات، أظهر فيها ساموري قدرة فائقة في فنون القتال وتكتيكات الكر والفر، ألحقت قواته خسائر فادحة بالجيش الفرنسي الغازى. لقد مثل الساموري أقوى وأطول وأشرس حركة مقاومة للغزو الفرنسي في السودان الغربي قاطبه، لقد كان خصما ذكيا وقويا وحاسما، حتى أطلقت عليه الصحافة الفرنسية لقب نابليون الأسود، ونابليون أفريقيا. تشبيها بالإمبراطور الفرنسي المشهور بقدرته على إطالة أمد الحرب ومفاجأة خصومه رغم فارق الموارد. وعرفت هذه الحروب مع الساموري في الأدبيات العسكرية الفرنسية بإسم حروب الماندينغو، وهى سلسلة طويلة من المعارك والانسحابات الاستراتيجية والهدن والمعاهدات بين ساموري والجيش الفرنسى.
شهدت حروب الماندينغو عدة هدن، وتوقيع عدة معاهدات لإنهاء الصراع، سرعان ما تنهار، وكان ساموري يستغل هذه الهدن كتكتيك مؤقت لكسب الوقت، وتوفير المؤن وشراء مزيد من السلاح لخوض المعارك القادمة.
ظل ساموري توري صامدا في وجه الآلة العسكرية الفرنسية الباطشة، حتى العام 1898، حيث وقع في الأسر بسبب وشاية من منشقين عنه، وحكم عليه بالنفي من دياره إلى جمهورية الغابون، والتي بقى فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم في العام 1900، بعيدا عن أرضه، بعد مسيرة تقارب سبعة عشر عاماً من الجهاد المتصل ضد فرنسا، ليصبح رمزا من رموز المقاومة فى المخيال الجماعي للسودان الغربي.
لقد رحل ساموري توري ، بعد حياة حافلة بالجهاد، ولكن أثره أمتد إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، وتشاء إرادة الله الغلابة أن يقود أحد أحفاده معركة طرد الفرنسيين من غينيا بعد جهاد سياسي طويل، ويرفع علم الاستقلال ويكون أول رئيس لجمهورية غينيا، هو الرئيس أحمد سيكو توري، رحمه الله.