خالد محمد أحمد
بلغني من مصدرٍ مطَّلع أن مقالتي السابقة بعنوان “بيان الخارجية بشأن أوغندا نموذجٌ لاختلال الخطاب الرسمي” قد وصلت إلى وزير الخارجية، وأن ردَّه غير الرسمي تمثَّل بحسب ما نُقِل في إلقاء اللوم على مكتب رئيس الوزراء، ونفْي أيِّ علاقةٍ لوزارته بصياغة ذلك البيان.
غير أن هذا الردَّ، في تقديري، لا يُنهي الإشكال، بل يوسِّع نطاق التساؤل بشأن آليات إنتاج الخطاب الرسمي للدولة.
فهل يعني الردُّ أن مكتب رئيس الوزراء هو الذي اضطلع بصياغة البيان ثم نُشِر باسم الوزارة وعلى ورقةٍ تحمل ترويستها؟
فإذا كان البيان قد صدَر باسم الوزارة استنادًا إلى نصٍّ أعدَّه مكتب رئيس الوزراء، ومن دون أن تُبدِي الجهة المسؤولة عن خطاب الدولة الخارجي رأيها الدبلوماسي أو على الأقل تنقِّح الصياغة، فإن ذلك يثير تساؤلاتٍ تتعلَّق بمدى وضوح توزيع الاختصاص في إدارة السياسة الخارجية؛ فالوزارة، بحُكم طبيعتها، هي الحارس الأول للغة الدولة في الخارج، وليست مجرَّد جهةٍ إجرائية تُصدِر ما يُحال إليها، بل مؤسسةٌ ذات اختصاصٍ أصيل فيما يتعلَّق بصياغة الخطاب الرسمي بما يراعي دقَّة المصطلحات وتقدير الأثر السياسي والدبلوماسي.
أيُّ تجاوزٍ لهذه الآلية من شأنه إضعاف صورة الدولة، وإرباك خطابها الخارجي، وكشف قدرٍ من التداخل في التسلسل الوظيفي لمراكز القرار.
ولكن، هل لوجود سفيرٍ في مكتب رئيس الوزراء علاقةٌ محتملة بهذا التداخل؟
لا يُشكِّل وجوده خللًا في ذاته، بل إنه قد يكون إضافةً مهنية. غير أن الإشكال قد ينشأ إذا تحوَّل هذا الوجود إلى قناةٍ موازية تتجاوز الهياكل المعتمدة، أو إلى مساحة تأثيرٍ تُسهِم، بحُكم الخلفية الدبلوماسية والقرب من مركز القرار السياسي، في صياغاتٍ لا تمرُّ عبر المسار المؤسسي الطبيعي. وفي هذه الحالة، نكون أمام تداخُلٍ في الاختصاصات قد يستدعي إعادة ضبطٍ لخطوط الفصل بينها.
لا أطرح هذه التساؤلات بدافع الخصومة ولا بقصد التقويض، بل لأن الردَّ المنسوب إلى الوزير ينقل النقاش من مستوى ضعف الصياغة وسوء التقدير الدبلوماسي إلى مستوىً أوسع يتَّصل بترتيب العلاقة بين مراكز القرار.
لم يكن هدفي من المقالة السابقة تسفيه الوزارة ولا النيْل من شخص الوزير، بل التنبيه إلى خللٍ محتمل قد يترسَّخ ويؤثِّر في صورة الدولة وفعاليتها وخطابها الرسمي في لحظةٍ دقيقة من تاريخ البلاد.
ولم يكن ذلك النقد خروجًا على ما دعوتُ إليه في مقالةٍ أسبق بعنوان “تحوُّل الصحافة من أداة رقابة وتعبئة إلى معول هدم وتثبيط في زمن الحرب” بشأن ترشيد الخطاب النقدي زمن الحرب؛ فالنقد الذي يُضعِف الجبهة الداخلية غير النقد الذي يُقوِّي بنية الدولة ويحُول دون تراكم الخلل في مؤسساتها؛ بل إن السكوت على ما يمسُّ آليات القرار والسياسة الخارجية قد يكون، في تقديري، أشدّ أثرًا على الدولة من الجهر به بروحٍ إصلاحية منضبط.
يشِي تنصُّل الجهة المعنية من مسؤولية صياغة البيان بأن الانتقادات الواردة في المقالة لم تكن خاليةً من الوجاهة، وأن المسألة قد تتجاوز خلافًا على الصياغة إلى إشكالٍ إداري أعمق؛ ففي زمن الحرب على وجه الخصوص لا تكون البيانات مجرَّد أوراقٍ شكلية، بل رسائل سيادية تُصاغ بميزانٍ دقيق لما تتركه من أثرٍ في شبكة العلاقات الخارجية. وبالتالي، فإن أيَّ ارتباكٍ في إصدارها يكشف حاجةً مُلحَّة إلى خطابٍ منضبط قائمٍ على وضوح الاختصاصات وتمايُز المسارات، لا على تداخلها أو ازدواجها.