رأي

كيف تُعيد التحالفات هندسة القرن الأفريقي؟(١)

فيما ارى
عادل الباز

لم يعد القرن الأفريقي ساحة صراع بين حكومات ضعيفة وجماعات مسلحة متناحرة، ولا مجرد مسرح تقليدي للنزاعات الحدودية والحروب الأهلية. ما يجري اليوم هو انتقال نوعي إلى مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة صراع التحالفات والتكتلات، حيث تتشابك الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وتتحول السواحل إلى أدوات نفوذ، ويصبح الاعتراف السياسي سلاحاً استراتيجياً، وتتحول الموارد الطبيعية إلى وقود يطيل أمد الحروب بدل أن يكون مدخلاً للاستقرار.
لقد دخل القرن الأفريقي في حقبة جديدة يمكن وصفها بأنها «حقبة إعادة تشكيل الإقليم»، عبر تحالفات غير رسمية تتشكل في ظل الفوضى، وتتغذى عليها، ثم تعيد إنتاجها بصورة أشد خطراً. فالصراع لم يعد يدور حول من يحكم ، بل حول من يعيد تعريف مفهوم السيادة في الإقليم، أو من ينشر الفوضى.
والأخطر أن هذه التحالفات لم تعد تتحرك فقط بمنطق النفوذ التقليدي، بل بمنطق «إعادة إنتاج الدولة» نفسها: تفكيك الدولة المركزية إلى كيانات متعددة، ثم إعادة توظيفها في شبكات أمنية واقتصادية عابرة للحدود( مليشيا الدعم السريع نموذجا). فالصراع هنا لا يتعلق بتغيير حكومة أو إسقاط نظام، بل بإعادة تعريف الدولة في القرن الأفريقي بوصفها مشروعاً قابلاً للتجزئة والتفكيك وإعادة التركيب وفق المصالح الخارجية
في هذا المناخ برز ما يمكن تسميته «تحالف الانفصاليين». وهو ليس تحالفاً رسمياً واحداً بمعاهدة معلنة، بل شبكة مصالح عملية بين الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا، مع حضور هندي متزايد في خلفية الصورة. جوهر هذا التحالف هو السيطرة على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وإعادة تشكيل نفوذ القرن الأفريقي عبر الموانئ والاعترافات السياسية والكيانات غير المركزية.
تبرز الإمارات كأقوى لاعب في هذا التحالف، وهي تتحرك مستندة على قوة استثماراتها في الموانئ. والميناء لديها ليس بنية تجارية محايدة، بل منصة نفوذ سياسي وأمني. يلتقط تقرير صادر عن تشاتام هاوس (Chatham House) عام 2023 جوهر المسألة بوضوح عندما يقول:«يمكن للموانئ أن تعمل كأدوات للنفوذ الجيوسياسي
وبذلك تتحول موانئ مثل بربرة وبوساسو من مشاريع اقتصادية إلى نقاط ارتكاز في شبكة نفوذ تمتد من القرن الأفريقي إلى الخليج، وتُستخدم لفرض واقع سياسي جديد دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر»..
لم تعد السيطرة على الموانئ وحدها كافية، بل أصبحت الموانئ نفسها جزءاً من منظومة عسكرية غير معلنة: قواعد إسناد لوجستي، ومراكز مراقبة بحرية، ومحطات اتصال، ومساحات تخزين عابرة للرقابة الدولية. وبذلك يتحول الاستثمار من نشاط اقتصادي إلى بنية أمنية كاملة تعيد رسم خرائط القوة.
ويشمل هذا التحالف إسرائيل، التي أعادت تعريف البحر الأحمر بوصفه امتداداً لأمنها القومي، خاصة بعد تصاعد تهديد الحوثيين للملاحة الدولية. ومن هذا المنطلق جاءت خطوة الاعتراف بصوماليلاند في ديسمبر 2025، وهي خطوة لم تكن حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل جزءاً من إعادة هندسة الشرعية لكيان انفصالي يمنح تل أبيب نافذة استراتيجية حساسة مقابل اليمن. الأمر الذي رفضته الحكومة الفيدرالية الصومالية في بيانها – ديسمبر 2025 – واعتبرته: »انتهاك لسيادة الصومال ووحدة أراضيها» هنا انتقلت المعركة من الاعتداء على الأرض إلى السيادة والشرعية.
أما إثيوبيا فتمثل ضلعاً أساسياً في هذا التحالف بحكم حاجتها الوجودية لمنفذ بحري دائم. فهي دولة حبيسة ترى أن الاعتماد على ممر واحد عبر جيبوتي يمثل اختناقاً استراتيجياً، ولذلك تسعى لتوسيع خياراتها بأي ثمن. وقد تجسد ذلك في مذكرة التفاهم التي وقعتها مع صوماليلاند في 1 يناير 2024، والتي أثارت أزمة سياسية مباشرة مع مقديشو وفق تقارير رويترز – 1 يناير 2024). ثم نقلت الوكالة في اليوم التالي رفض البرلمان الصومالي للاتفاق واعتباره غير قانوني (رويترز – 2 يناير 2024). وهنا يظهر أن إثيوبيا لا تتحرك بمنطق الاقتصاد وحده، بل بمنطق الجغرافيا السياسية التي تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في البحر الأحمر.
يتضح ترابط تحالف الانفصاليين في «التقاطعات الداخلية» بين أطرافه: الإمارات تقدم المال والميناء وشبكات النفوذ اللوجستي، وإسرائيل تقدم الاعتراف والدعم الأمني والاستخباراتي، وإثيوبيا تقدم الحاجة الاستراتيجية والاستعداد لدفع كلفة المواجهة السياسية. هذا التكامل يجعل التحالف قادراً على خلق واقع جديد دون إعلان حرب.
أما الهند، فهي وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً، إلا أنها تتحرك بمنطق الممرات التجارية الكبرى، وبمنطق المنافسة مع الصين على النفوذ في المحيط الهندي وشرق أفريقيا. ولذلك تبدو أقرب إلى دعم المشاريع المرتبطة بالموانئ والممرات، لا الاستقرار المرتبط بالدولة الوطنية بالضرورة، وهو فارق جوهري في فهم طبيعة التوازنات الجديدة.
التقاطع الأخطر داخل هذا التحالف يتمثل في استراتيجية «الكيانات الوظيفية»، سلطات اوكيانات ومليشيات تتاسس كلها لتكون بديلة للدولة المركزية، والسبب أنها أقل تكلفة وأكثر قابلية للسيطرة والتوجيه. وقد وصف معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا (Institute for Security Studies – ISS) عام 2024 هذا النهج صراحة بأنه يقوم على: «دعم سلطات محلية بديلة بدلاً من الحكومات المركزية.
وهذه العبارة تكشف أن القضية ليست «تعاوناً اقتصادياً» أو «استثماراً في الموانئ»، بل سياسة متعمدة تستهدف إضعاف الدولة المركزية وإعادة إنتاجها كدولة رخوة مفككة.ثم تأتي طبقة أخرى من التقاطع تتمثل في الموارد، وعلى رأسها الذهب، حيث تتحول الثروة إلى مورد لتمويل الصراع وإلى أداة نفوذ عابرة للحدود. وقد أكد فريق خبراء الأمم المتحدة 2023/2024 المعني بالسودان ذلك بوضوح حين قال:«يتم استخدام الموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب، لتمويل الصراع»)
(«natural resources, including gold, are being used to finance the conflict»).هذه الجملة وحدها تكشف أن الحرب في السودان، وما حولها، لم تعد حرباً سياسية فقط، بل أصبحت حرباً اقتصادية تموَّل من داخل جغرافيا الدول المفككة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى