محمد الحاج
من زاوية أخري
الدولة ليست مجرد مبانٍ حكومية أو حدود مرسومة على الخريطة، بل هي علاقة متوازنة بين الشعب والسلطة والأرض. حين يختل هذا التوازن، تبدأ الدولة في التراجع مهما كانت مواردها. أما الحكومة فهي إدارة مؤقتة داخل هذا الكيان، تتغير وتتناوب، بينما تبقى الدولة هي الأصل الذي يجب الحفاظ عليه. لكن التجربة السودانية عبر عقود طويلة أظهرت أن السلطة كثيراً ما تجاوزت دورها الطبيعي، فتمددت على حساب الدولة نفسها، وأضعفت مؤسساتها، ودفعت البلاد إلى أزمات متتالية.
منذ استقلال السودان في عام 1956، بدأت الدولة الوليدة تبحث عن طريقها. غير أن الصراعات السياسية المبكرة، وسياسات الهوية التي حاولت فرض اتجاه واحد على مجتمع متعدد الثقافات، خلقت شرخاً داخل المجتمع. سياسات التعريب في تلك الفترة كانت مثالاً على محاولة تشكيل الدولة وفق رؤية ضيقة، بدلاً من الاعتراف بالتنوع الذي يشكل جوهر السودان.
في عام 1958، حين سلّم عبدالله خليل السلطة للفريق عبود، دخل السودان أول تجربة لهيمنة السلطة العسكرية على الدولة. هذا التحول لم يضعف فقط التجربة الديمقراطية الوليدة، بل أثر أيضاً على السيادة الوطنية وعلى إدارة الموارد. ثم جاءت أحداث جودة عام 1961 لتكشف كيف يمكن للسلطة حين تنفصل عن المجتمع أن تتحول إلى مصدر للأذى بدلاً من الحماية.
بعد سقوط نظام عبود، لم تستقر البلاد طويلاً. ففي عام 1969 استولى جعفر نميري على الحكم، واستمرت سلطته حتى 1985. ورغم التحولات التي شهدتها تلك الفترة، إلا أن جوهر المشكلة بقي كما هو: السلطة تتغول على الدولة، والدولة تفقد قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة.
بعد انتفاضة أبريل 1985، جاءت حكومة الصادق المهدي، لكنها وقعت في الخطأ ذاته حين قامت بتعديل الدستور في 1986، وهو ما مثّل تجاوزاً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات. غير أن القضاء السوداني أثبت استقلاليته حين أبطل تلك التعديلات، مؤكداً أن الدستور ليس ملكاً للحكومة بل للدولة والشعب.
ثم جاء انقلاب 1989 بقيادة البشير ليعيد السودان إلى دائرة السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية، حيث أصبحت الدولة نفسها مجرد أداة في يد السلطة، وتعمقت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى وصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
هذه التجارب المتراكمة، الممتدة من 1956 إلى 1989 وما بعدها، تقدم درساً واضحاً: السودان لا يحتاج إلى سلطة جديدة بقدر ما يحتاج إلى نموذج دولة جديد. دولة تتجاوز خلافات الماضي، وتبني مؤسسات قوية، وتفتح المجال لكل القوى السياسية والاجتماعية للمشاركة في صياغة المستقبل. دولة تستثمر مواردها الطبيعية والبشرية لصالح المواطن، لا لصالح السلطة.
في هذا التوقيت الحساس والحاسم يصبح قيام سلطة تشريعية انتقالية مستقلة وفاعلة هو الخطوة الأولى نحو التحول المنشود. سلطة تضع القوانين التي تحمي الدولة من تغوّل أي جهة، وتضمن استقلال القضاء، وتعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فالسودان لن ينهض إلا إذا اتفق الجميع — مهما اختلفت رؤاهم — على أن الدولة أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأن مستقبل البلاد لا يُبنى إلا بالتوافق، لا بالإقصاء.
ومن هنا تبرز أهمية النداءات المتكررة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بضرورة التوافق وتخطي الخلافات السياسية بين القوى الصلبة الداخلية، باعتبار أن هذه الخلافات ظلت لعقود طويلة حجر عثرة أمام بناء مؤسسات الدولة الحديثة. إن الدعوة إلى الاصطفاف الوطني ليست مجرد شعار سياسي، بل هي حاجة عملية وملحة لاستكمال هياكل السلطة التشريعية، وقيام المجلس التشريعي الانتقالي الذي أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأنه وحده القادر على حسم القضايا التشريعية الكبرى التي ظلت معلقة، ووضع الأساس القانوني لنهضة الدولة السودانية.
إن المجلس التشريعي الانتقالي يمثل الضمانة الحقيقية لانتقال السودان إلى مرحلة جديدة، حيث تُصاغ القوانين بروح توافقية، وتُبنى المؤسسات على أساس المشاركة لا الإقصاء، ويُعاد الاعتبار لمبدأ سيادة القانون كمرتكز أساسي للدولة. فالتجارب السابقة أثبتت أن تغوّل السلطة التنفيذية على التشريع كان سبباً مباشراً في إضعاف الدولة، وأن غياب مؤسسة تشريعية قوية ومستقلة جعل القرارات المصيرية رهينة لمصالح ضيقة. لذلك فإن قيام المجلس التشريعي الانتقالي اليوم هو بمثابة استعادة لروح الدولة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والسلطة، وفتح الطريق أمام نموذج ديمقراطي جديد متعدد الأطراف، قادر على إخراج السودان من وهدته.
إن التوافق الوطني الذي دعا إليه الفريق أول البرهان يجب أن يُترجم إلى خطوات عملية، تبدأ بقبول جميع القوى السياسية والاجتماعية أن السودان أكبر من خلافاتهم، وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا عبر اصطفاف داخلي يعيد للدولة هيبتها، ويستثمر مواردها البشرية والطبيعية لتحقيق الرخاء الاقتصادي والتنمية المستدامة. بهذا الشكل يمكن أن يتحول السودان إلى دولة حديثة، تقوم على مؤسسات قوية، وتستعيد مكانتها الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام أجيال جديدة لتعيش في ظل دولة مستقرة وعادلة.
الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦م