بقلم: النقيب محمد الهادي صبري الأمين
عمود النبأ اليقين
ليست الدلنج حالة عاطفية عابرة، ولا مشهدًا إنسانيًا يُستدرّ به التعاطف، بل واقعة سياسية–أمنية مكتملة الأركان، تصلح أن تكون دليل إدانة لكل خطاب حاول تزوير وعي السودانيين خلال هذه الحرب، وعلى رأسه خطاب المساواة بين الجيش الوطني ومليشيا الدعم السريع تحت لافتات زائفة من نوع «لا للحرب».
حين فُكّ الحصار عن مدينة الدلنج، لم يحتج المواطنون إلى من يشرح لهم ما حدث. خرجوا كما يخرج الناس حين يُرفع الخناق عن أعناقهم. فرحوا لأن الطرق فُتحت، لأن الدواء عاد، لأن المدينة خرجت من وضع الرهينة. هذه الفرحة لم تكن احتفاءً بالسلاح، بل احتفاءً بعودة الدولة.
وهنا يجب تثبيت الحقيقة بلا مواربة:
الجيش لم يدخل الدلنج بصفته قوة اقتحام، بل بصفته أداة استعادة لسيادة غائبة.
الفارق بين الدخولين هو الفارق بين الدولة والفوضى، بين النظام والابتزاز، بين من يحمي المدينة ومن يستخدمها كورقة ضغط.
نمطان متعاكسان لا يلتقيان
كل مدينة دخلها الجيش شهدت النتيجة ذاتها: انفراج، عودة للحياة، واستعادة الأمن والخدمات.
وفي المقابل، كل مدينة سبقتها مليشيا الدعم السريع حملت التوقيع نفسه: نهب منظم، نزوح واسع، شلل اقتصادي، وخوف عام يسبق أي مواجهة عسكرية.
هذا ليس توصيفًا إنشائيًا، بل نمط سلوكي ثابت، ومن يصر على إنكاره لم يعد في خانة الخطأ، بل في خانة التواطؤ السياسي والأخلاقي.
تفكيك كذبة «لا للحرب»
أخطر ما في مقولة «لا للحرب» ليس مضمونها الأخلاقي المجرد، بل طريقة استخدامها الانتقائية. تُرفع الشعار وكأن الحرب نشأت تلقائيًا، وكأن المدن حوصرت بلا فاعل، وكأن السلاح وُزع بالتساوي بين الدولة ومن تمرد عليها.
القول «لا للحرب» دون تسمية المليشيا التي بدأت التمرد،
ودون تحميلها مسؤولية الحصار والنهب والترويع،
ودون الاعتراف بأن الجيش يتحرك لرفع حصار مفروض بالقوة،
ليس موقفًا سلميًا، بل تعطيل متعمد لحق الدولة في الدفاع عن نفسها.
الحياد بين من يخنق مدينة ومن يفك خناقها ليس حيادًا.
إنه انحياز مقنّع للجريمة مهما تلون بالمفردات الناعمة.
الدلنج تُسقط السردية
الدلنج اليوم لم تدخل في سجال، ولم ترفع لافتات. فعلت ما هو أبلغ:
فرحت بوصول الجيش، وصمدت طويلًا قبل ذلك تحت الحصار.
وهذا وحده كافٍ لإسقاط كل خطاب يُدار من الخارج، أو يُكتب من مسافة آمنة بعيدًا عن المدن التي دفعت الثمن.
الناس لا تخطئ في تحديد عدوها حين تعيش التجربة كاملة.
ووعي الميدان، مهما حاولت بعض المنصات تشويهه، يبقى أكثر صدقًا من كل التنظير المعزول.
خلاصة النبأ اليقين
ما جرى في الدلنج يحسم الجدل من جذوره:
لا سلام مع وجود مليشيا تحاصر المدن.
لا حياد بين الدولة ومن تمرد عليها بالسلاح.
ولا معنى لشعار «لا للحرب» إن كان يُستخدم لنزع الشرعية عن استعادة السيادة.
الدلنج كشفت الكذبة بوضوح:
الجيش يُنقذ المدن… والمليشيا تقتلها.
وهذه ليست دعاية، بل حقيقة أثبتها الواقع، وصدّقها المواطنون قبل أن تُكتب في عمود.