خالد محمد أحمد
لم يبلغ أيُّ سياسيٍ في المشهد السياسي السوداني المأزوم مستوىً من النفور الشعبي مثلما بلغ خالد عمر يوسف (سِلِك)، لا بوصفه حاكمًا مستبدًا، ولا باعتباره رمزًا لسلطةٍ قمعية، بل كسياسيٍ معارض كان من المفترَض أن يكون صوته امتدادًا لغضب الناس، لا هدفًا مباشرًا له. وعلى سبيل التحفًّظ، لا بُدَّ من التأكيد أن حُكْمِي هذا لا يستند إلى إحصاءاتٍ أو نتيجة استطلاعات، بل ينبع من متابعةٍ دقيقة للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي السودانية بمختلف أشكالها.
فما الذي يجعل معارضًا خارج السلطة عُرضةً لهذه الدرجة من الكراهية والامتعاض الشعبي؟
يكمن أحد أبرز الأسباب في طبيعة خطاب سِلِك نفسه؛ فغالبًا ما يبدو وكأنَّه يتعمَّد استفزاز الرأي العام؛ إذْ تفتقر تصريحاته إلى الحدِّ الأدنى من الحساسية السياسية والاجتماعية. وممَّا يزيد الأمر حدَّةً أن معظم تصريحاته تصعيدية وإقصائية، ولا تنحو منحى التوافق أو التهدئة ولو على سبيل التنويع.
صحيح أن الاستفزاز قد يكون أداةً تكتيكية عابرة في العمل السياسي، لكن السياسي المحترف يدرك أن تحوُّل الاستفزاز إلى أسلوبٍ دائم يفقده قيمته، ويُحدِث صدماتٍ في الوجدان الجمعي، ثم لا يلبث أن يصبح عبئًا على صاحبه.
تكشف تصرُّفات سِلِك في الفضاء الافتراضي كما في الواقع عن شخصيةٍ لم تحسم انتقالها من “مربع الناشط” إلى “مقام السياسي”. وهنا تتجلَّى المفارقة؛ فقد أُتيحت له فرصةٌ نادرة ليكون رجل دولة، لكنه ظلَّ حبيسًا لعقليَّة المعركة اليومية وغير مُنفتحٍ على ذهنيَّة المسار الطويل. هذه الفجوة بين الموقع والسلوك هي ما يولِّد الاستياء الشعبي، لو أنه يعقِل.
يمكن قراءة كثيرٍ من تصرُّفات سِلِك، كما حدث في مواجهته مؤخرًا مع أحد السودانيين في النرويج، على أنها انعكاسٌ لشعورٍ داخلي (ربما يكون خاطئًا) بأنه قد تجاوز نقطة اللاعودة، وأن عودته إلى السودان سياسيًا واجتماعيًا لم تَعُد خيارًا واقعيًا. وعندما يعتقد السياسي بأن الجسر قد انكسر، فلا غرابة أن يتوقَّف عن محاولة ترميمه، بل إنه قد يُمعِن في حرق ما تبقَّى منه، ويتحوَّل خطابه إلى شكلٍ من “الانتقام الرمزي” أو المكابرة المفتوحة، وهو توصيفٌ لأثر الخطاب ومآلاته أكثر ممَّا يقطع بالنيَّات.
لا يخلو التاريخ السياسي من استهداف معارضين للحكَّام وأعوانهم. وقد يصل الأمر إلى درجة الاعتداء الجسدي، كما حدث للترابي في كندا، ونافع علي نافع في لندن. وهو أمرٌ مفهوم، وإن كان مرفوضًا أخلاقيًا، في سياق الصراع مع السلطة.
لكن أن يتعرَّض سياسي خارج دائرة الحُكم لهذا القدر من الغضب الشعبي، فهذه علامة إنذارٍ لا ينبغي تجاهلها. هنا لا نتحدَّث عن استهدافٍ سياسي منظَّم أو خصومة أيديولوجية، بل عن قطيعةٍ شعبية اجتماعية، وهي أخطر ما يمكن أن يُصيب أيَّ فاعلٍ سياسي.
لا تخصُّ هذه القضية خالد سِلِك وحده، بل تكشف خللًا بنيويًا في تكوين السياسي السوداني عمومًا، وفي ثقافةٍ سياسية لا تعير اهتمامًا حقيقيًا لتطوير القدرات الاجتماعية والسلوكية للسياسيين. ففي التجارب الحديثة، يُدرَّب السياسي على ضبط النفس، وإدارة الغضب، وامتصاص الاستفزاز، والتعامل مع الإهانات ببرودٍ محسوب. أمَّا سِلِك، فيبدو في هذا السياق مثالًا صارخًا لسياسيٍ لم يخضع أو يقبل بهذا النوع من التدريب.
لا تنشأ كراهية الناس من فراغ، ولا تتراكم وتبلغ هذا المدى بلا أسباب. وحين تطول معارضًا لا حاكمًا، فإنها تستحقُّ وقفةً جادَّة؛ لأنها تكون في الغالب حصيلة مسارٍ طويل من الرعونة وسوء التقدير. وفي السياسة، كما في الحياة، من لا يتعلَّم الإصغاء مبكرًا، يُجبَر على سماع الضجيج لاحقًا.
27 يناير 2026