د. عبد العظيم حسن
الثابت أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دوراً جوهرياً في التطورات السياسية التي سبقت اتفاقية الحكم الذاتي في السودان لسنة 1953. وقد جعلت الكواليس التي تزامنت مع تلك الظروف بعضَ المؤرخين يرون أن استقلال السودان في 1956 لم يكن استقلالاً حقيقياً، وإنما صفقة تنازلت فيها بريطانيا للولايات المتحدة عن موارد السودان، وعن الموقع الاستراتيجي لمصر.
بهذه الصفقة يكون التحالف الرأسمالي الغربي قد نجح في التأسيس لمشروع الاستعمار الجديد وبالمرة محاصرة مد الانقلابات اليسارية. وبغضّ النظر عن صحة هذه الرواية أو التحليل، فإن المؤكد أن صراع النفوذ الأمريكي–السوفيتي لعب دوراً مهماً في صياغة تاريخ وواقع ومستقبل منطقة يجوز وصفها بأنها “أرض الصفقات”.
حالة الانتظار، أو بالأصح طأطأة الرأس، التي تخيّم على السودانيين تؤكد أن السودان سيخضع لصفقة يفرضها عليه الفاعلون الإقليميون والدوليون. والمسألة التي ينبغي وضعها في الاعتبار أن حرب السودان، وحتى هذه اللحظة، لا يُراد لها أن تُحسم بصفقة واحدة، وإنما بصفقتين ؛ الصفقة الأولى: تديرها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الصفقة ليس بمقصود منها وقف الحرب، وإنما إدارتها على نحوٍ تجاري، شأنها شأن صفقة أوكرانيا وجزيرة غرينلاند. أما الصفقة الثانية: فتتجلى في مشروع وقفٍ مؤقت لحربٍ مقررٍ لها أن تتجدد طالما أن السودانيين أنفسهم ما زالوا تائهين، أو على أقل تقدير، في خانة المتفرج على صفقات تُدار على جماجمهم.
المطلوب من كل السودانيين الانتقال من موقع المفعول بهم إلى موقع الفاعلين. إذ حتى إن تجلّى الفعل الوطني المنشود، فإن السودانيين في أمسّ الحاجة إلى تقديم قيادات بديلة يكون لها دور حقيقي في المشهد. فلا القادمون الجدد ولا اللاعبون القدامى مطلوبٌ منهم أن يتزاحموا، بقدر ما يتعاونوا، بما يحقق القرار الوطني، بدلًا عن الارتهان للصفقات الأجنبية.