بقلم 🖋️ أنس الطيب الجيلاني
أعتاد العالم متابعة أعمال منتدي دافوس العالمي منذ تسعينات القرن الماضي، ودافوس مدينة سويسرية وادعة يلتقي فيها زعماء العالم وكبري الشركات العالمية والسياسيين والاقتصاديين والأكاديميين ، وتعد الدورة الحالية للمنتدي والتي جاءت تحت شعار {روح الحوار} الأكثر صخبا ، وبدلا من أن تحمل روح التعاون حملت حملا ثقيلا من الشك والتلاسن والمهاترات تارة والتجاذبات تارة اخري بين حلفاء الأمس أعداء اليوم.
تراوحت القضايا المطروحة علي طاولة دافوس لتشمل قضايا الامن وتحدياته والتعاون الاقتصادي الدولي ومصادر الطاقة المتجددة والطاقة البديلة renewable energy والتغيرات المناخية وقضايا التكنلوجيا النظيفة وبناء المهارات والرقمنة ومستقبل الذكاء الاصطناعي.
وبالرغم من أن المنظمين للمؤتمر أرادوا أن تسود داخل المنتدي روح الحوار والتعاون ألا أن المداولات كشفت عن صراعات خفية طفت إلي السطح بين النظام الليبرالي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية والنظام الرأسمالي المتوحش الذي تقوده الولايات المتحدة تحت قيادة الجمهوريين مما يشئ بنذر مواجهة دولية جديدة ستؤدي إلي إنفراط عقد المنظومة الدولية ، كما جاء أنعقاد المنتدي هذا العام والعالم يشهد صراعات وانقسامات ونزاعات ومتغيرات متسارعة وصراعات حول النفوذ والموارد وحالة عامة من الترقب والقلق لدي المجتمعات البشرية والتي زادتها التغيرات المناخية ونقص الطاقة وقلة الامن (ضغثا علي إبالة).
خطاب الرئيس ترامب والذي حبس أنفاس العالم شكل منعطفا خطيرا وأثار غبارا كثيفا ، رغم الثلوج التي تكسو دافوس هذه الايام، تباهي ترامب بقوة الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية وأنها المحرك الأساسي للاقتصاديات العالمية ، وطالب الاوبك بخفض أسعار النفط وهدّد بفرض رسوم جمركية جديدة على حلفاءه الاوربيين وكندا ، وذلك بعد رفضهم لخطته الرامية لضم جزيرة غرينلاند ذات السيادة الدنماركية ، كما طالبهم بزيادة ميزانياتهم للناتو ،، وتحسر ترامب في خطابه لاستعادة الولايات المتحدة للجزيرة بعد انتصارهم علي الغزو الألماني الياباني ، وذكر تهكما بانه لولا التدخل الأمريكي لكانت جزيرة غرينلاند تتحدث الان الألمانية وربما قليلا من اليابانية،، ووصف عملية استعادة الجزيرة للدنمارك بالغباء ،، وكانت صحيفة الديلي ميل البريطانيةقد اشارت الي أن ترامب يدرس تقديم أغراءات مالية لسكان الجزيرة البالغ عددهم ٥٧ الف نسمه وذلك بإعطاء كل أسرة مليون دولار مقابل ضم الجزيرة ، والتي صرح بانه بامكانه اخذها بالقوة أن أراد ذلك ، واشار ترمب بوضوحه المعهود لاهمية الجزيرة الاستراتيجية لحماية الامن القومي الأمريكي من التدخلات الخارجية خاصة الصين وروسيا ، والتخوف الأمريكي من التدخل العسكري للصين، لا يسنده منطق ، وأمريكا تعلم جيدا بأن الصين هي المنافس الوحيد لها في المستقبل،،وتشير كل الشواهد الدولية بأن الصين ليس لديها رغبات توسعية أو أنها تريد فرض هيمنة أو وصاية ،، فالصين لم تتدخل عسكريا في أية نزاع دولي منذ خمسينات القرن الماضي وانها قبلت مبدأ التعايش السلمي غير أنها في ذات الوقت علي كامل الاستعداد لحماية نفوذها السياسي والاقتصادي والامن خاصة في بحر الصين الجنوبي وذلك عملا بمبدأ توازن القوي الإقليمي ، وبالمقابل تمارس الولايات المتحدة دور الشرطي الدولي وتتدخل بصورة أحادية ودون غطاء من مجلس الامن ودون احترام لمبدأ السيادة كما حدث في تدخلاتها في ايران والعراق واليمن والصومال وفنزويلا والحبل علي الجرار .
ولعل أهم الخطابات التي حظيت بحفاوة وأهتمام ووجدت صدي لافت هي تلك. التي ألقاها المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني …قال ميرتس أن العالم بدأ يشهد سياسة هيمنة الدول العظمي القائمة علي الصلابة وطالب العالم لمواجهة هذا الواقع بنحو من الوضوح والشفافية، واشار الي أن الصين شقت طريقها نحو النادي العالمي للكبار بينما الولايات المتحدة تواجه تحديات حقيقة في مفهوم الهيمنة وتغيير سياساتها الخارجية والأمنية بصورة كبيرة .. أما مارك كارني فقد نعي النظام العالمي القديم القائم علي القواعد والنظم والقوانين المرعية وأشار إلى أن القوي العظمي بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح الأمر الذي يتطلب أستقلالا إستراتيجيا في مصادر الطاقة والمعادن والدفاع ، ودعا للعودة للواقعية القائمة علي القيم مع الالتزام بحقوق الإنسان ومفهوم السيادة ودعا كذلك القوي الوسيطة إلي بناء أقتصاد قوي لتقليل الضعف أمام الضغوط الدولية ، كما دعا ايضا إلي زيادة الانفاق العسكري بحلول ٢٠٣٠ لتجنب الاعتماد علي الخارج.
من جانب آخر أحدث خطاب ترامب ردود أفعال حادة خاصة من حلفاءه المقربين ،حيث وصف الرئيس الفرنسي ماكرون خطاب ترامب بانه يريد أضعاف أوربا ويدعو للمواجهة الدبلوماسية العلنية ، وحذر من أنتهاج شريعة الغاب ورفض التنمر السياسي ووصف الخطاب بالغاضب والمهين .
الاتحاد الأوربي بدوره حذر من خطورة تآكل النظام الدولي كما شكك في نوايا إقامة نظام دولي جديد بمسمي ( مجلس السلام) وربطه بمساهمات مالية كبيرة ليكون بديلا مستقبليا للأمم المتحدة ،، وجوهر المخاوف من مجلس ترامب للسلام تتمثل في أن هذا المجلس يقوم بشكل أساسي علي النفوذ المالي وبدعوة آحادية من الرئيس ترامب ، حيث شاركت ١٩ دولة في مراسم التوقيع بدافوس علي قيام مجلس السلام،،ولا يستند علي مبادي الشرعية متعددة الأطراف .
لا شك لدي أن ما برز من نوايا للولايات المتحدة ونظرتها لمستقبل السياسة الخارجية سيؤدي الي دفع القارة الاوربية إلي تعزيز خطوات أستقلالها الأمني والاقتصادي والسعي لاعتماد سوق جديدة بديلة للسوق الأوربي وزيادة انفتاحها علي اقتصاديات اخري في القارة الآسيوية وخاصة الصين وكندا ، كما سيدفع القارة الاوربية لفتح الباب والتفكير في تكتلات أقتصادية جديدة.
كما سينسحب هذا الخلاف الذي برز في دافوس علي السياسات الدفاعية والأمنية لاوربا كذلك حيث دعا الاتحاد الأوربي دوله لزيادة الإنفاق العسكري بنسبة ٥٪ من جملة الناتج المحلي بحلول عام ٢٠٣٥ ضمن خطة ما يعرف بإعادة التسلح الأوربي ( Re-arm Europe )والتي ستبلغ حوالي ٨٠٠ مليار يورو ، كما طالب الاتحاد بالإسراع بخارطة الطريق الدفاعية بحلول ٢٠٣٠ ( Defense Readiness Roadmap ) والتي تهدف بصورة أساسية لتقليل الاعتماد العسكري والأمني علي الولايات المتحدة .
وهكذا أسدل الستار علي مسرح دافوس هذا العام والذي شهدنا فيه فاصلا من العروض المفاجئة والمدهشة والتي سيكون لها ما بعدها من مجريات ستغير مجري التاريخ،،فهل نواجه الان مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، أم سنشهد تغيرات في الأحلاف وموازين القوي نتيجة لتضارب المصالح ، مرحلة جديدة البقاء فيها للأقوياء،، مرحلة منطق القوة لا قوة القانون ،مرحلة لا يجدي فيها نفعا البكاء علي أطلال القيم الإنسانية المشتركة ( shared human values)، والتقاليد الراسخة ومبادئ القانون الدولي والإنساني ، ولا المعايير المزدوجة والاكليشيهات المحفوظة من القيم والمثاليات التي لم تعد قادرة علي الصمود ، هل سنشهد مرحلة التفكك للأنظمة والتحالفات القديمة من لدن عصبة الامم والناتو ومنظومات التعاون الأمني الأوربي وغيرها، أم ستعاد التشكيلات والاحلاف علي ضوء الموازين والمخاوف التي تبدت وبرزت في منتدي دافوس نسخة ٢٠٢٦.