رأي

تفكيك منظومة القحاطة القيميَّة

خالد محمد أحمد

شرع القحاطة في جولةٍ أوروبية جديدة في محاولةٍ بائسة لتسويغ حججهم الفاسدة وإنعاش سرديَّاتهم المهترئة. ولا يمكن فصل هذه الجولة عن حالة الإنكار السياسي والأخلاقي التي يعيشونها، وسعيهم المحموم إلى إعادة تلميع خطابٍ انكشف عواره وهشاشته تحت وطأة الدم والخراب في ظلّ تراجع زخم حملاتهم التضليلية في الداخل والخارج، واستنفاد قدرتهم على التأثير في الوعي العام.

والحقُّ أن مواقف بعض القحاطة إزاء الجنجويد والزُرقة والكيزان قد شكَّلت نموذجًا فاضحًا لمدى هشاشة طرحهم واختلال منظومة مبادئهم تحت ضغط المصلحة.

لم يكن القاسم المشترك في تحوُّلاتهم يومًا الدفاع عن الإنسان، أو مناهضة الظلم والجريمة، بل عداؤهم الصفري للكيزان الذي تحوَّل إلى هوسٍ سياسي.

لا تكمن المشكلة في هذا العداء في حدّ ذاته، فذلك حقٌّ سياسي مفهوم، وإنَّما في تحوُّله إلى بوصلةٍ أخلاقية شاملة يُعاد على أساسها تعريف الضحيَّة والجلَّاد، والمُنكر والفضيلة، والخير والشر.

كان تصنيف الجنجويد في خطاب هؤلاء أنهم مجرمون قولاً واحدًا، وأداة قمعٍ نفَّذت إبادةً وتطهيرًا عرقيًا في دارفور بأوامر الكيزان. وكان الزُرقة آنذاك ضحايا أبرياء وأصحاب قضيةٍ عادلة، وكان الصمت عن قتلهم جريمةً أخلاقية لا تُغتفَر، بل إن القحاطة لم يتردَّدوا في استهداف كلّ من لم يصدع بإدانة الجنجويد وجرائمهم.

ثم انقلب المشهد رأسًا على عقب؛ فالزُرقة في الخطاب القحاطي الجديد لم يعودوا ضحايا، بل تحوَّلوا بين عشيَّةٍ وضحاها إلى شياطين إنسٍ، لا لشيء سوى أنهم تحالفوا مع “جيش الكيزان” ضدَّ الجنجويد، الذين جرى، في المقابل، إعادة تدويرهم سياسيًا وأخلاقيًا، فصاروا أصحاب قضيةٍ، وحَمَلة مظالم، بل ورموز مقاومة رغم أن طبيعة أفعالهم لم تتغيَّر قيد أنملة، بل ازدادت إجرامًا وتوحُّشًا.

المتغيّر الوحيد في المعادلة هو أن الجنجويد لم يعودوا مجرَّد أداة في يد الكيزان، بل “فرزوا عيشتهم”، واستقلُّوا بظلمهم وتنكيلهم بالعباد والبلاد بعد أبريل 2019.

ومن عجبٍ أن القحاطة ما زالوا يردّدون أسطوانتهم المشروخة القائلة إن الجنجويد “خرجوا من رحِم جيش الكيزان” في استعارةٍ يُفترَض بمنطقها البسيط أن المولود يرِث جينات أُمِّه السياسية والعسكرية. غير أن هذا الادّعاء نفسه ينقلب إلى نقيضه حين يجد القحاطة أنفسهم اليوم متحالفين مع ذلك “المولود”، وكأنَّ رحِم الكيزان يلِد ولكنه لا يورِّث شيئًا، أو كأنَّ الجينات تُعطَّل انتقائيًّا متى ما تغيَّر السياق، وتبدَّل موقع العدو على الخريطة السياسية.

صحيح أن الجنجويد نشأوا في كنف دولة الكيزان وخرجوا من عباءتها، غير أن خروقاتهم في قرى وفُرقان دارفور وغيرها لم تكن كلُّها نتاج توجيهٍ مركزي مباشر أو أوامر صريحة بالإبادة على أساسٍ إثني بقدر ما كانت امتدادًا لهمبتةٍ جنجويدية متأصّلة، وعقيدة نهبٍ وترويعٍ انفلتت من كلّ قيدٍ أخلاقي؛ فقد عاش الزُرقة تاريخيًا في مدنٍ كبرى مثل الفاشر ونيالا والجنينة وغيرها دون أن تُسجَّل فيها آنذاك انتهاكاتٌ منظَّمة على هذا الأساس، وهو ما يكشف أن العنف كان سلوكًا متجذّرًا في بنية المليشيا نفسها تمارسه أحيانًا بعيدًا عن قبضة الدولة، وأحيانًا أخرى في ظلّ صمتها وتعاميها، ربما لأن الدولة ارتأت حينها في إطلاق يد المليشيا أداةً أنجع لقمع الحركات المسلحة، ولو على حساب أرواح المدنيين. ولا غرابة إذن أن تمتدَّ هذه الانتهاكات إلى القرى النائية، وخاصةً بعد انكشاف عدم تورُّع الجنجويد عن ارتكاب جرائم يندى لها الجبين في قلب العاصمة على مرأى العالم ومسمعه بعدما تحلَّلوا من أيّ قيد حكومي أو كفيلٍ سياسي، وتصرَّفوا على نسق قوةٍ منفلتة بلا رادعٍ ولا مساءلة.

الأدهى أن القحاطة الذين كانوا يهاجمون الصامتين عن قتل الزُرقة في عهد الكيزان، باتوا اليوم وإن أنكروا في موقع المتحالف مع الجنجويد، الذين واصلوا قتل الزُرقة وإنْ تبدَّلت الأسباب والدوافع بعد سقوط الكفيل، ولم يكتفوا بذلك، بل أضافوا إلى سجلّهم دماء الأبرياء من الجلَّابة وغيرهم.

غير أن منطق القحاطة أبسط من كلّ هذا التعقيد؛ فالمعادلة لديهم واضحة، وهي أن كلّ من يساهم في تقويض الكيزان هو حليفٌ إستراتيجي مهما مهما شاب أفعاله العنف، لأن هذا الهدف “السامِي” كفيلٌ بإعادة ترتيب سلَّم القيم، وتجميد الأسئلة الأخلاقية، وتبرير الصمت عن الدم.

قد يقول بعض المحتجّين إن الكيزان أنفسهم بدَّلوا تحالفاتهم، وانتهوا اليوم إلى الاصطفاف مع الزُرقة الذين كانوا يقاتلونهم في عهد الإنقاذ. هذا صحيح من حيث الشكل، لكنه مضلِّل من حيث الجوهر؛ فالخلاف مع الزُرقة كان في أصله صراعًا سياسيًا ومطلبيًا من أجل حقوقٍ مشروعة، لم تُبنَ فيه إستراتيجية على قتل الأبرياء، ولا على الإبادة، ولا على التغيير الديمغرافي أو اقتلاع جماعاتٍ أخرى من أرضها. لقد خاضوا حربهم رجلًا لرجل، ثم عادوا إلى المشهد عبر تفاهماتٍ سياسية كان القحاطة أنفسهم جزءًا منها، تمامًا كما عادت من قبل مكوّنات التجمع الديمقراطي التي حملت السلاح ضدَّ الدولة، وكما شاركت الحركة الشعبية لتحرير السودان في حكومة الكيزان قبل انفصال الجنوب. المشكلة إذن ليست في تبدُّل التحالفات، بل في تبرير الدم من أجل كراسٍ زائلة.

الأصل أن تظلَّ الجريمة جريمة، وألَّا تتحوَّل المجازر إلى قضيةٍ عادلة لمجرَّد أن يرفع مرتكبوها شعارًا سياسيًا يروق لبعضهم، أو أن يلوّحوا بلافتةٍ جذَّابة على شاكلة “دولة 56”. كما أن إدانة الظلم لا ينبغي أن تكون انتقائية، ولا مشروطة، ولا خاضعة لحسابات الكراهية السياسية، لكن من الواضح أن مبادئ القحاطة ليست غير متسقة فحسب، بل قابلة للتعديل وفقًا للسياق، والتحالفات، وموقع العدو من الخريطة السياسية.

وإن كان للقحاطة من مراجعةٍ حقيقية، فهي أن يعودوا إلى المبدأ البسيط الذي لطالما تاجروا به، وهو مناهضة الظلم في كلّ زمانٍ ومكان، ورفض القتل والتشريد بكلّ صرامة ووضوح، وبلا تمييزٍ بين ضحيَّةٍ وأخرى، أو جلَّادٍ وآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى