رأي

هل أنتهى دور الموقع الالكتروني؟

آفاق رقمية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
في الأيام الأخيرة، انتشر إعلان مثير من شركة جوجل، يشير إلى نهاية “عصر المواقع الإلكترونية”، بعد إطلاق ما يعرف ببروتوكول التجارة العالمي، UCP Universal Commerce Protocol ، الذي يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي إتمام عمليات الشراء نيابة عن المستخدم.
الخبر قدم بصيغة درامية، إلا أن الواقع أكثر هدوءا مما نشر.
ما يحدث اليوم ليس اختفاء المواقع الالكترونية، بل تراجع دورها كواجهة أساسية. فالكثير منا، في الحقيقة، لم يعد يبدأ رحلته الشرائية من الموقع أصلا. نحن نأتي من وسائل التواصل الاجتماعي، إعلان في إنستغرام، مراجعة في تيك توك، توصية في واتساب، أو مقطع قصير يقنعنا خلال ثوان، ثم نشتري، أحيانا دون أن نتذكر اسم الموقع نفسه.
وسائط التواصل الاجتماعي كانت أول من كسر “قدسية الموقع” ، هي التي حولت الشراء من رحلة طويلة إلى قرار سريع، ومن قراءة مطولة إلى انطباع لحظي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، تسارعت الفكرة أكثر، لماذا أتنقل بين صفحات ومقارنات، إذا كان بإمكاني أن أقول ما أريده، ويقوم النظام بالباقي؟
تخيل مثلا أنك شاهدت إعلانا قصيرا على إنستغرام لعرض خاص على مكيفات هواء قبل الصيف. أعجبك العرض، وتكون لديك قرار مبدئي. في السابق، كنت ستبحث عن اسم الشركة، تدخل أكثر من موقع، تقارن الأسعار، وتسأل في مجموعات واتساب. أما في النموذج الجديد، فقد تقول لهاتفك ببساطة. “أريد مكيفا بنفس المواصفات، بسعر مناسب، مع التركيب خلال هذا الأسبوع”. هنا ينتهي دورك، ويبدأ دور الوكيل الذكي في البحث والمقارنة والتنسيق والدفع.
الذكاء الاصطناعي في هذا السياق لا يهتم بشكل الموقع الالكتروني، ولا بلون الزر، ولا بتجربة المستخدم كما نفهمها نحن. ما يهمه هو البيانات: “السعر، الجودة، التوفر، سرعة التنفيذ، وخدمة ما بعد البيع”. أي أن الموقع لم يعد يخاطب الإنسان أولا، بل يخاطب الخوارزمية.
هل هذا يعني أن المواقع الإلكترونية ستختفي، وأن وسائل التواصل ستفقد دورها، اعتقد ان العكس سيحدث، ستصبح هذه الوسائط أكثر تأثيرا في تشكيل الرغبة والنية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي التنفيذ.
نحن ننقل من اقتصاد قائم على لفت الانتباه فقط، إلى اقتصاد يبدأ بالانتباه وينتهي بالفعل. من الإعجاب إلى الطلب، ومن الرغبة إلى التنفيذ. والخطر هنا ليس تقنيا بقدر ما هو معرفي، هل ما ينفذ يعبر فعلا عن رغبتنا، أم عن ما تراه المنصات الأفضل لنا؟
جوجل، وغيرها من الشركات الكبرى، تحاول أن تكون في قلب هذه المعادلة، لا كواجهة نراها، بل كبنية تعمل في الخلفية. وهذا يجعلنا نفكر في سؤال قديم بصيغة جديدة. *”من يملك القرار عندما نفوض الآلة..؟”*
في آفاق رقمية، لا ننظر إلى هذه التحولات باعتبارها نهاية لشيء، بل بداية لإعادة ترتيب، المواقع ستبقى، لكن بأدوار مختلفة. وسائل التواصل ستظل تصنع الرغبة. والذكاء الاصطناعي سيتولى التنفيذ….. أما الإنسان، فسيحتاج أكثر من أي وقت مضى أن يفهم ما الذي يفوضه… ولمن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى