رأي

في ذيول استقالة بروف رباح: كلو من “ثورة التعليم العالي” دي

عبد الله علي إبراهيم  

استقال بروف رباح من عمادة الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بسبب استنكاره ل”خج” قال إنه ضرب شهاداتها العلمية. وكانت الواقعة مناسبة ليجدد معارضو الإنقاذ مآخذهم على “ثورة التعليم العالي” التي قامت بها دولة الإنقاذ (1989-2018) طالما كانت “حكومة بورتسودان” في عقيدتهم هي الإنقاذ قامت “بعاتي”. فنفض القانوني سيف الدولة حمدنا الله الغبار عن مقالة قديمة في نقد تلك الثورة ونشرها. وكان عظمة نزاع حمدنا الله ورهطه الكبرى مع الإنقاذ هو أنها توسعت في التعليم الجامعي توسعاً لم تعتبر فيه بلوازم الجامعة التي لا تكون إلا بها مثل المكتبة والمعمل والأستاذ المتفرغ لمتابعة بحوث الطلاب. فخرجت به من معناه. وقال إنه فات على الإنقاذ لماذا لم تقم الحكومات السابقة لها بالتوسع في التعليم “بمثل البساطة التي تم بها في هذا العهد (الإنقاذ)”. فامتنعت العهود السابقة للإنقاذ عن مثل ارتجال الإنقاذ في التوسع لأنها، بجانب خشيتها من أن تقوم الجامعات بلا ممكنات مما ذكرنا، حرصت على أن لا تخاطر بزيادة التعليم الجامعي دون ربط التخريج بسوق العمل وتنمية البلاد.  بدلاً عن ذلك وفرت تلك الحكومات التعليم العالي الوسيط (المعاهد العليا ومراكز التدريب) التي تخرج حملة الدبلوم بعد دراسة سنتين أو ثلاث سنوات في مجالات البناء والهندسة والتمريض وغيرها. وهي المعاهد التي حولتها الإنقاذ إلى جامعات بليل (صار المعهد الفني إلى جامعة السودان) فضلاً عن إنشائها لجامعات جديدة بالمدن والقرى والنجوع بإمكانيات مدارس ثانوية أو دونها.  

وكان ما جاء به سيف الدولة في مقاله القديم هو حجة صفوة غردون الناطقة بالإنجليزية على “ثورة التعليم العالي” حتى قال واحد منهم لما رأى تكاثر الجامعات في ظل دولة الإنقاذ الإسلامية أن التعليم العالي امتياز لا حقاً. وتوفير ممكنات التعليم الجامعي التي عددها حمدنا الله حجة مستحقة بالطبع. إلا أن النظرية والممارسة كانتا في عين العاصفة في أوساط شعبية وهامشية شكت مر الشكوى من انسداد أبواب التعليم الجامعي أمام أولادها وبناتها. فشهد الموسم الجامعي 1986-1987، أي قبل عامين من قيام دولة الإنقاذ، ثورة ضد ضيق ماعون التعليم الجامعي قادتها لجنة عرفت ب”لجنة بحث عدالة توزيع الفرص الجامعية”.  وثارت ثائرة هؤلاء الطلاب على أمرين متلازمين هما ضيق ماعون التعليم العالي وصفويته. فمن بين نحو 100 ألف جالس لامتحان الشهادة السودانية قبل قيام دولة الإنقاذ قبلت جامعة الخرطوم 1800 منهم. أما الأمر الثاني فهو غلبة عوامل الجهة والطبقة في القبول. فمن زاوية ميزة جهة من القطر على جهة كان القبول الأعظم لمحافظة الخرطوم، العاصمة، التي يتمترس فيها معلمو المدارس الثانوية المحسنون للعلوم والرياضيات خاصة ويكثرون مقارنة بالأقاليم. 

 وكان هذا الافقار للتعليم بالأقاليم سبب ثورة لجنة عدالة توزيع الفرص الجامعية. فذلك النقص هو الذي حفز المبادر باللجنة الطالب خالد شيحا. فقد جاء إلى الجامعة من إقليم كردفان الذي خلا كله من مدرسيّ الفيزياء. ولكنه اجتهد وثابر ودخل كلية الهندسة. غير أن غبن الفرص لإقليمه لم يزايله ودفعه لسكة في الجهاد لإصلاح نظم القبول في جامعة الخرطوم لتحسين فرص الأقاليم. أما الجانب الطبقي في ذلك الجهاد فهو استنكار أمثاله غلبة القبول من طلاب شهادة عرفت ب”شهادة لندن”. وهي ما يجلس لها أبناء الصفوة الأكاديمية والعاصمية بعد تدريب دقيق في معهد لأستاذ جامعي عرف ب”معهد نبيل” باهظ التكلفة للراغبين في تلقي العلم به. وكان يكثر من الإنجليزية ويقلل من العربية. وأخذت الجامعة تقبل نسبة 75% من طلابه. وحولت لجنة شيحا المسألة إلى قضية سياسة عامة. فكانت تطوف المدارس الثانوية وتتحدث إلى طلاب الفصل النهائي عن الظلم الذي ينتظرهم عند بوابة التعليم العالي. كما عممت معارفها في الصحف والندوات. بل حملت القضية إلى باب مدير جامعة الخرطوم، واعتصمت بمكتبه، وأضربت عن الطعام. وصار لها حشدها ووفودها للضغط على الحكومة. وكان لطلاب شهادة لندن وفودهم أيضاً. وما زال السودانيون يستغربون ضلوع زعيمة الحركة النسائية والحزب الشيوعي فاطمة أحمد إبراهيم في تظاهرة شهادة لندن تدافع عن حق ابنها في دخول الجامعة بتلك الشهادة التي هي للملأ السوداني خاصة. 

ومن رأي طالب عاصر الأحداث أن اللجنة كانت مسنودة بالحركة الإسلامية، التي كانت تمسك بزمام اتحاد طلاب الجامعة، من غير إعلان منها بذلك. وقال إن سياسة القبول سمحت لطلاب شهادة لندن بالمنافسة لدخول الجامعة على أسس ظلمت طلاب الشهادة الثانوية السودانية أو كما زعموا. وركزت اللجنة على طلاب السنة الأولى في كلية العلوم التي منها يتقسم الطلاب على كلية الطب، المرغوبة، ثم بقية كليات العلوم. وكانت مظاهرات لجنة شيحا كثيرة تنشأ متى توافر العدد وكانت تقصد إحراج تجمعات طلاب شهادة لندن الذين تسميهم ب”الحناكيش” (البرجوازيون).

لم يكن نقد صفوة غردون لثورة التعليم خطأ. كان عمياناً مع ذلك عن اعتبارات أخرى في خطر تظلم غمار الناس من وقوع أبنائهم ضحايا لتقوى صفوة غردون الأكاديمية وامتيازها الذي جعلت منه سياسة صماء للتعليم العالي مبرأة من صدى الاحتجاج والتظلم من شحها في أروقتها. وجاء يوم عقدت أنا بين تقواي كأكاديمي غردوني وحسي بتظلم غمار السودانيين حيال شح التعليم الجامعي. سألني صحفي يومها عن رأيي في ثورة الإنقاذ في التعليم الجامعي. فقلت له إني، كأكاديمي، شديد التحفظ على ارتجالها العلمي وعلى الكسب السياسي الدارج الذي من ورائها. ولكن، من الجانب الآخر ليس لي من حجة عليها كوالد وخال وعم لأن كثيراً من بنات أهلي وبناتهم ما كن ليطأن حرم جامعة لولا ثورة تعليم الإنقاذ.

نفض حمدنا الله بمقاله القديم بعد كل هذه السنوات ربما ظلم سودانيين بلا حصر تداعوا بنبل وفدائية لسد النقص الكبير في جامعات جاءتهم مجرد هياكل عظمية من الدولة وتخرجت منها أجيالهم ما شاء الله ما شاء الله. ومؤكد أن حمدنا الله ظلم هذه الطائفة من السودانيين وطلاب جامعات الإنقاذ قبل ظلم الإنقاذ نفسها.  

(جاء ما تقدم في كتابي “التعريب: هذيان مانوي” (المصورات 2016) الذي حاولت فيه تكييف تعريب التعليم العالي بغير عزة صفوة غردون “المهنية” بالإنجليزية. ومن أراد التوسعة في ضيق فرص التعليم الجامعي في تلك الفترة فليطالع كتاباً حسن التوثيق والعرض بقلم د. صديق أم بدة عنوانه” قلم التعليم وبلم المتعلمين: مقالات في التعليم والتنمية “استوحاه من تلك الثورة التي كان قريباً منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى