إثيوبيا تدخل سباق الطاقة النووية: تداعيات إقليمية على أمن المياه والاقتصاد

في خطوة تكشف طموحاتها المتزايدة للهيمنة على قطاع الطاقة في إفريقيا، أعلنت إثيوبيا عن خطة بنية تحتية ضخمة بقيمة 30 مليار دولار تشمل بناء محطة نووية، مصفاة نفط، منشآت غازية، ومطارًا دوليًا جديدًا. ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، الذي يُعد بالفعل أضخم مشروع للطاقة الكهرومائية في القارة.
من سد النهضة إلى الطاقة النووية
تخطط إثيوبيا لتشغيل وحدتين نوويتين بين 2032 و2034 بطاقة إنتاجية تقارب 2400 ميغاواط، في وقت يتزايد فيه الطلب المحلي على الكهرباء بنسبة 20% سنويًا. وبذلك، تسعى أديس أبابا لتأمين احتياجات سكانها البالغ عددهم 120 مليون نسمة، ولتصبح مركزًا إقليميًا لتصدير الطاقة.
لكن هذا التوجه النووي يطرح تساؤلات حول التمويل والتكنولوجيا، إذ يستند إلى اتفاق تعاون مع روسيا يعود إلى عام 2017، ما قد يربط مستقبل قطاع الطاقة الإثيوبي بمحور موسكو في ظل التنافس الدولي على إفريقيا.
انعكاسات على ملف المياه
من الناحية الإقليمية، يمثل هذا الإعلان رسالة سياسية مباشرة إلى دول حوض النيل، خاصة مصر والسودان. فإثيوبيا التي تمكنت من فرض سد النهضة كأمر واقع، تُظهر أنها ماضية في استغلال كل مواردها المائية والطاقية لتعزيز استقلالها الاقتصادي، حتى وإن أثار ذلك مخاوف جيرانها. وإذا كان السد قد أثار أزمة وجودية لمصر فيما يتعلق بحصتها من مياه النيل، فإن دخول الطاقة النووية إلى المعادلة يعزز صورة إثيوبيا كقوة إقليمية ناشئة لا تتراجع أمام الضغوط.
البعد الاقتصادي والسياسي
اقتصاديًا، تعكس الخطة رغبة إثيوبيا في تنويع مصادرها بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على الطاقة الكهرومائية، التي تشكل 90% من إنتاج الكهرباء. سيتيح الاستثمار النووي والنفطي والغازي تقليص مخاطر تقلب المناخ والجفاف، وفي الوقت ذاته يمنح أديس أبابا أوراق ضغط جديدة في أسواق الطاقة الإقليمية.
سياسيًا، يأتي المشروع في سياق محاولة رئيس الوزراء آبي أحمد تعزيز شرعيته الداخلية عبر إنجازات كبرى، وربط مستقبل البلاد بمسار “نهضوي” يوازن بين التنمية الاقتصادية والطموحات الجيوسياسية.
مطار ضخم يربط إفريقيا بالعالم
ضمن الخطة أيضًا، مطار دولي جديد بطاقة استيعابية تصل إلى 60 مليون مسافر، ليكون الأكبر في إفريقيا، ويدعم توسع الخطوط الجوية الإثيوبية كلاعب محوري في النقل الجوي بالقارة. وقد حصل المشروع بالفعل على دعم من البنك الإفريقي للتنمية بتمويل يصل إلى 500 مليون دولار.
خلاصة
إثيوبيا اليوم لا تراهن فقط على المياه لتأمين مستقبلها، بل تضع الطاقة النووية والنقل الجوي والغاز ضمن أدواتها لتثبيت موقعها كقوة صاعدة في شرق إفريقيا. لكن هذه الطموحات ستضاعف حدة التوتر مع القاهرة والخرطوم، اللتين تريان في مشاريع أديس أبابا المتسارعة تهديدًا مباشرًا لاستقرارهما المائي والاقتصادي.



