ياسر زيدان
كلية هنري جاكسون للدراسات الدولية، جامعة واشنطن، سياتل، واشنطن، الولايات المتحدة
الملخص
في 15 أبريل 2023، انزلق السودان إلى حرب بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، وهي مليشيا مرتزقة ذات طابع إثني كانت في السابق تحت سيطرة القوات المسلحة. كشفت الحرب الجارية في السودان عن ظاهرة جديدة تتمثل في انضمام أفراد من القبائل العربية في حزام البقّارة العربي في تشاد وليبيا والنيجر إلى صفوف قوات الدعم السريع في قتالها ضد القوات المسلحة السودانية. تبحث هذه المقالة في الجذور العميقة لهذا النمط الجديد من الارتزاق الذي برز في السودان، وفي ما إذا كانت الشبكات الإثنية قد كثّفت عملية التجنيد.
للارتزاق تاريخ طويل في أفريقيا، وقد اكتسب المرتزقة نفوذًا أكبر في السنوات الأخيرة مع عجز جيوش عديدة في القارة عن احتواء تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة. غير أن الأدبيات القائمة حصرت تحليل التجنيد العابر للحدود في إطار الإرهاب، متجاهلة إلى حد كبير التشكّل الجديد للارتزاق القائم على الإثنية الذي يتبلور اليوم في منطقة الساحل.
المقدمة
شكّل اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع نقطة تحوّل حاسمة في المشهد الأمني الإقليمي. فقوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية سودانية تعود جذورها إلى مليشيات الجنجويد في دارفور، استقطبت أعدادًا كبيرة من المقاتلين الأجانب من المجتمعات العربية في تشاد وليبيا والنيجر (انظر الشكل 1). وينتمي هؤلاء المقاتلون – وغالبيتهم من الشباب من جماعات البقّارة العربية الرعوية – إلى شبكات تجنيد لا تقوم على التجنيد الرسمي، بل على روابط إثنية وقرابية وتجارية تمتد عبر الحدود التي رسمها الاستعمار.
الشكل 1. السودان ومنطقة الساحل.
المصدر: جيسون بيرك (2023): العنف المجتمعي ووفيات المدنيين في السودان تؤجج مخاوف اتساع رقعة الصراع. الغارديان.
تبحث هذه المقالة في بروز «الارتزاق الإثني» في السودان: وهو نمط من التعبئة المسلحة تُدار فيه عمليات التجنيد والتماسك التنظيمي أساسًا عبر شبكات إثنية/قبلية عابرة للحدود؛ وتكون الحوافز المادية (الأجور، الغنائم، الوصول إلى ريع اقتصاد الحرب) صريحة ومعتادة؛ وتحافظ التنظيمات على قدر من الانفصال عن دولة بعينها (فتخدم أو تقاتل عبر الحدود بسهولة)؛ بينما تيسّر العوامل اللوجستية الخارجية (تغير المناخ، الرعاة الإقليميون، الفضاءات غير المحكومة) الانتشار العابر للحدود.
ورغم الجدل السياسي والاجتماعي حول تعريف «المرتزق»،¹ فإنني أستند إلى الأسس القانونية القياسية، ولا سيما البروتوكول الإضافي الأول (1977)، المادة 47،² واتفاقية الأمم المتحدة الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، ثم أقدّم هذا التنقيح الإجرائي في حوار مع نقاشات «القوة الخاصة» وأدبيات «العنف بوصفه عملًا» التي تنظر إلى القتال كعمل مأجور.⁴
وعلى الرغم من أن استخدام المليشيات غير النظامية ليس جديدًا على الساحل أو السودان، فإن التشكيلة الراهنة مميّزة من حيث الحجم والتمويل والاندماج في اقتصادات الأمن الإقليمية. ففي السودان، يعكس تجنيد قوات الدعم السريع من الحزام العربي الساحلي تلاقيَ تاريخ الحركة الرعوية، وعقود من تسليح القبائل برعاية الدولة، واقتصادات حرب معاصرة مدعومة بعوامل خارجية؛ وقد وثّق خبراء الأمم المتحدة شبكات لوجستية عابرة للحدود لقوات الدعم السريع خلال 2023–2024، كما لخّصت جهات رقابية مستقلة هذه الأنماط.⁵ كما تناولت تحقيقات مزاعمَ عن سلاسل إمداد مرتبطة بالإمارات ونشاطًا مرتبطًا بمجموعة فاغنر حول الذهب وعمليات النفوذ—وهي مزاعم نفتها علنًا أطراف إماراتية وروسية.⁶
تعتمد هذه الدراسة على مصادر تاريخية، وتحليل سياسي إقليمي، وملاحظات ميدانية في السودان خلال الأيام الأولى للصراع. وأجادل بأن تجنيد المليشيات العربية العابرة للحدود لا يمكن تفسيره كليًا عبر عدسات مكافحة الإرهاب أو الهجرة أو الأيديولوجيا وحدها. بل يعكس عسكرة المجتمعات العربية الرعوية في سياق انهيار الدولة، والضغط البيئي، وبُنى الفرص العابرة للحدود. ومن خلال وضع قوات الدعم السريع ضمن أنماط أوسع لاقتصادات الحرب والحكم القبلي عبر الساحل، تُبرز المقالة الحاجة إلى إطار جديد لفهم المليشيات غير النظامية التي تتجاوز الحدود الوطنية والأيديولوجيات الرسمية ونماذج التمرد التقليدية.
ومن اللافت أن الحرب الراهنة في السودان كشفت عن ظاهرة جديدة تتمثل في انضمام رجال قبائل عربية من حزام البقّارة في تشاد وليبيا والنيجر إلى قتال قوات الدعم السريع ضد القوات المسلحة السودانية (انظر الشكل 2). فقد سجّل حسين الأمين شوشو، وهو قائد تشادي في حركة «نضال المظلومين»، مقطعًا مصوّرًا له في الخرطوم يهتف دعمًا «لأخيه العربي» حميدتي. كما ظهر مقاتل تشادي آخر يُدعى حبيب هريكة وهو يقاتل إلى جانب قوات الدعم السريع في الخرطوم في سبتمبر 2023. إضافة إلى ذلك، أظهر مقطع فيديو نُشر على الإنترنت عناصر مسلحين من قوات الدعم السريع وهم يحيّون عائلاتهم في النيجر وليبيا.
وبينما حصرت الأدبيات القائمة مسألة التجنيد العابر للحدود في الإرهاب، فإن التجنيد القائم على الإثنية حظي باهتمام أقل بكثير في السودان ومنطقة الساحل. وتُشكّل هذه الظاهرة الجديدة تحديًا للحدود الوطنية في منطقة الساحل وتهديدًا للأمنين الإقليمي والدولي. وقد اقترح بعض المحللين أن أيديولوجيا التفوق العربي هي الدافع الرئيس للتجنيد الإثني؛ غير أن هذه الورقة، على العكس، ترى أن عوامل متعددة أسهمت في تجنيد قوات الدعم السريع لمقاتلين عرب غير سودانيين في الحرب الراهنة. فقد تضافرت أيديولوجيا التفوق العربي، ونزاعات الأراضي، والتصحّر، والتدخلات المحلية والإقليمية في نشوء الارتزاق الإثني في الساحل.
وتسمح هذه التعقيدات بتفسير الظاهرة عبر أدبيات «الفضاءات غير المحكومة». غير أنها تشير إلى «فضاء غير محكوم» عابر للدول يمتد عبر عدة دول هشة أو فاشلة، وليس داخل دولة واحدة فحسب. فالعوامل المركّبة التي أفرزت المرتزقة الإثنيين الراهنين في السودان وتشاد والنيجر تستدعي مقاربة دقيقة تستحضر ليس فقط العوامل الاستعمارية وما بعد الاستعمار، بل أيضًا الديناميات الاجتماعية والأمنية المعاصرة التي شكّلت واقع الساحل اليوم. وقد قاد تتبّع الأسباب الجذرية المتعددة للمليشيات الإثنية العابرة للدول إلى طرح نظرية بديلة مفادها أن انشغال الدول بفرض السيادة أسهم في تسهيل نشوء فضاءات غير محكومة في دول مثل السودان وتشاد. كما أن سياسات الحكومات في تسليح فئات إثنية بعينها أضعفت السلطات القبلية التقليدية التي سادت هذه الفضاءات لعقود. ويقدّم كلونان وهارولد مصطلح «الحوكمة البديلة» لوصف هذه السلطات القبلية التي ملأت فجوة الحكم في المناطق الريفية.¹⁰
وقد ألقت الأدبيات الأكاديمية بعض الضوء على المليشيات المرتبطة بالدولة وشبكات الإرهاب العابرة للحدود في منطقة الساحل. غير أن القليل منها تناول الروابط الإثنية العابرة للدول للمليشيات العربية في سياقها المعاصر. وقد تجلت هذه الروابط القبلية العربية خلال الحرب الجارية في السودان، حيث استخدمت المليشيات مقاتلين عابرين للحدود في هجماتها العسكرية. وتكررت هذه الأنماط والممارسات في الحروب الأهلية في ليبيا وتشاد والنيجر، ما يمثل عودةً بارزة لديناميات اجتماعية قديمة في أفريقيا جنوب الصحراء. وتعود جذور هذه الديناميات إلى الهجرات العربية في القرن الرابع عشر نتيجة موجات الجفاف والنزوح القسري.
يسعى هذا المقال إلى الإسهام في هذه النقاشات عبر فحص تركيبة قوات الدعم السريع، واستراتيجيات التجنيد، والسلوك في ساحات القتال، ضمن دراسات الحرب غير النظامية وسياسات المليشيات وديناميات الأمن الإقليمي. ويدعو إلى تركيز أكبر على كيفية تلاقي الهوية والبقاء والرعاية الخارجية لإنتاج نمط ساحلي مميّز من الارتزاق—نمط يتحدى افتراضات السيطرة الدولتية والولاء وتنظيم العنف في حروب أفريقيا المعاصرة.
ملاحظة منهجية
تستند هذه المقالة إلى ملاحظات ميدانية ومواد أولية جُمعت خلال الأسابيع الأولى من صراع 2023 في السودان. كان المؤلف حاضرًا في الخرطوم عند اندلاع الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. وخلال تلك الفترة، أُجريت محادثات غير رسمية مع مدنيين وعاملين في المجال الإنساني وأفراد لديهم صلات وثيقة بمقاتلي قوات الدعم السريع، ما وفّر رؤى مباشرة حول تعبئة الجماعة وسلوكها. كما أُجريت مقابلات شبه مُنظَّمة (عن بُعد) مع قادة مجتمعات محلية وسكان متأثرين بالنزاع، جرى تحديدهم عبر أسلوبي العيّنة القصدية و«كرة الثلج».
واستُكملت هذه المعطيات برصد منهجي لمنصات التواصل الاجتماعي، بما فيها تيليغرام وفيسبوك، حيث انتشرت على نطاق واسع مواد وشهادات مرتبطة بقوات الدعم السريع. وجرت مُضاهاة هذه المصادر الرقمية مع تقارير من وسائل إعلام دولية ودراسات أكاديمية سابقة.
واعتمدت المقالة بروتوكولًا للتحقق من المصادر المفتوحة يبدأ بتحديد أصل المصدر (الرافع الأصلي، تاريخ النشر، الروابط الإثنية، واحتمالات الانحياز)، ثم التحقق من تحديد المواقع الجغرافية للصور ومقاطع الفيديو عبر مطابقة التضاريس والمنشآت والعلامات الدقيقة. وتعترف الدراسة بقيود وتحيازات أدلة وسائل التواصل الاجتماعي والمقابلات، ولذلك تستند أيضًا إلى انخراط المؤلف طويل الأمد في سياسات البحر الأحمر ومنطقة الساحل، بما في ذلك أعمال ميدانية سابقة في شرق أفريقيا. وعلى الرغم من قيود الوصول زمن الحرب وطابع المصادر غير الرسمي، تُعطي المقاربة أولوية للتأسيس التجريبي والقرب الموقعي. وتدمج التحليلات المقدّمة هذه الأدلة النوعية مع الأدبيات الثانوية لإعادة بناء الديناميات الاجتماعية-السياسية التي تقوم عليها ممارسات التجنيد العابرة للحدود لقوات الدعم السريع.
مراجعة الأدبيات
تركّز الأدبيات المتعلقة بتجنيد الجماعات المسلحة والعنف العابر للحدود في الساحل إلى حد كبير على الشبكات الإرهابية، وزعامات الحرب، والحرب غير النظامية. وغالبًا ما تُؤطّر الدراسات العنف العابر للحدود في سياق التمردات الجهادية، لا سيما بالإشارة إلى جماعات مثل بوكو حرام، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM)، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS). وقد قدّم باحثون مثل ثورستون،¹¹ وبوآس،¹² وليكوك وآخرون¹³ رؤى حول الجوانب الأيديولوجية والتكتيكية واللوجستية لتنقّل الجهاديين في الساحل. غير أن هذه الدراسات كثيرًا ما تُغفل استراتيجيات التجنيد القائمة على الهوية التي لا تتأسس على الأيديولوجيا الإسلامية، بل على التضامن الإثني، والتهميش الاقتصادي، وفشل الدولة. وبالمثل، تسدّ هذه المقالة فجوة تتعلق بالروابط الإثنية في أدبيات المرتزقة. ففي حين تُبرز دراسات حديثة تعقيد مصطلح «المرتزق» وحموله السياسية،¹⁴ وتفكّك سردية «خطر المرتزقة» كما في الكونغو وبيافرا (1960–1970)، فإنها لا تتبع بما يكفي العوامل القبلية والإثنية في تشكّل هذه الشبكات.¹⁵
ويركّز تيار موازٍ من الدراسات على المليشيات واندماجها في هياكل أمنية رسمية أو شبه رسمية. فديبوس، على سبيل المثال، يدرس كيف يتأرجح المتمردون التشاديون بين التمرد والاندماج في الدولة.¹⁶ كما يستكشف رينو ويوتاس كيف تستمد شبكات زعماء الحرب سلطتها من أنظمة رعاية غير رسمية والسيطرة الاقتصادية أكثر من استنادها إلى الأيديولوجيا.
لقد أسهمت هذه الدراسات في إرساء الأساس لفهم كيفية تحويل العنف إلى ممارسة روتينية تُمارَس بوصفه عملاً، لا سيما في المناطق التي تعاني من محدودية حضور الدولة.
كما أن الأدبيات المتعلقة بـ«الفضاءات غير المحكومة» و«الحوكمة البديلة» ذات صلة وثيقة بهذا النقاش. إذ يجادل كلونان وترينكوناس بأن الفاعلين من غير الدول يملأون فراغات السلطة التي تخلّفها الدول الضعيفة، وغالبًا ما يفعلون ذلك بشرعية محلية وبدرجة عالية من التنظيم.¹⁸ ويوسّع أرجونا وكاسفير ومامبيلي (Arjona, Kasfir, and Mampilly) هذا الطرح عبر دراسات ميدانية تجريبية حول «حوكمة المتمردين»، مبيّنين كيف تدير الجماعات المتمردة الأقاليم، وتفصل في النزاعات، وتوزّع الموارد.¹⁹
وعلى الرغم من هذه الإسهامات، فقد كُتب القليل عن ظاهرة تجنيد المليشيات العربية في منطقة الساحل على أساس عابر للحدود قائم على الروابط الإثنية واقتصادات الصراع. وبينما وثّق كلٌّ من توبِيانا ودي وال (Tubiana and de Waal) التوظيف السياسي للقبائل العربية في السودان وتشاد، فإن التشكيلة الراهنة — التي يعمل فيها مقاتلون عرب من النيجر وليبيا وتشاد داخل قوات الدعم السريع في السودان — لم تُحلَّل بصورة منهجية حتى الآن.²⁰
وعليه، تسدّ هذه المقالة فجوةً مفاهيمية عبر اقتراح مفهوم «الارتزاق الإثني» بوصفه إطارًا تحليليًا يلتقط هذا النمط من العسكرة العابرة للحدود، والقائمة على الهوية، والمدفوعة بالحوافز الاقتصادية.
الإطار النظري: الارتزاق الإثني وتحوّل طبيعة الجماعات المسلحة
إن بروز قوات الدعم السريع بوصفها قوة عابرة للحدود يدعو إلى إعادة النظر في الأطر النظرية القائمة في دراسة الجماعات المسلحة. فالتصنيفات التقليدية — مثل المتمردين، والإرهابيين، وأمراء الحرب — تعجز عن الإحاطة بالبنية الهجينة ووظائف تنظيمات من طراز قوات الدعم السريع. ويقدّم مفهوم «الارتزاق الإثني»، كما يُعرَّف هنا، نمطًا من التعبئة المسلحة تُدار فيه عمليات التجنيد والتماسك التنظيمي أساسًا عبر شبكات إثنية/قبلية عابرة للحدود؛ وتكون الحوافز المادية (الأجور، الغنائم، الوصول إلى ريع اقتصاد الحرب) صريحة ومعتادة؛ وتحافظ التنظيمات على انفصال نسبي عن أي دولة بعينها (بما يسمح لها بالخدمة أو القتال عبر الحدود بسهولة)؛ وتُيسّر عوامل لوجستية خارجية (مثل تغيّر المناخ، والرعاة الإقليميين، والفضاءات غير المحكومة) الانتشار العابر للحدود. ويتيح هذا المفهوم تنظير فاعلين يستندون في آن واحد إلى التضامن الإثني، والحوافز الاقتصادية، وتفكك الدولة، للعمل عبر سياقات سياسية متعددة.
ومن الناحية المفاهيمية، يختلف هذا التشكّل عن غيره من الأنماط المجاورة. فبعكس الارتزاق الكلاسيكي أو الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، التي تُؤطَّر بالاختبار القانوني الضيق ذي الأجزاء الستة الوارد في البروتوكول الإضافي الأول (1977)، المادة 47، والتي نادرًا ما تنطبق على متعاقديها صفة «المرتزق»، يركّز الارتزاق الإثني على التجنيد الشبكي القائم على الهوية، والحوافز المادية الصريحة، والرعاية واللوجستيات العابرة للحدود، لا على التعاقد المؤسسي وحده.²¹
كما يختلف عن «حوكمة المتمردين» التي تفترض إدارة إقليمية للسكان المدنيين (جباية، قضاء، خدمات)، إذ يمكن للفاعلين محل الدراسة القتال لقاء أجر دون حكم الإقليم.²²
وعلى النقيض من «أمراء الحرب»، الذين تتمحور سلطتهم حول السيطرة الشخصية على الاقتصادات السياسية المحلية والأقاليم، يعتمد الارتزاق الإثني على قنوات إثنية عابرة للحدود ودعم لوجستي خارجي مع ارتباط أضعف بقاعدة إقليمية واحدة.²³
وأخيرًا، وبالمقارنة مع التمرد القائم على الأيديولوجيا — حيث تكون التعبئة عقائدية وتنظيمية في المقام الأول — فإن منطق الارتزاق الإثني يقوم على «الحافز أولًا» و«الشبكة أولًا»، بما ينسجم مع أدبيات «العنف بوصفه عملًا» التي تتعامل مع القتال كعمل مأجور مدمج في الاقتصادات الإقليمية.²⁴
يبني هذا الإطار على عدة أجسام معرفية ويوسّعها. فطرح رويسلر حول «فخ الانقلاب–الحرب الأهلية» يبيّن كيف يستخدم القادة مليشيات مُعرَّفة إثنيًا لدرء التهديدات الداخلية، غالبًا على حساب التماسك طويل الأمد.²⁵ وتنطبق هذه المنطقية على قوات الدعم السريع: إذ سُلّحت في البداية لحماية مصالح النظام، ثم تطورت إلى فاعل قادر على تهديد الدولة نفسها.
كما أن مفهوم «الفضاءات غير المحكومة» لدى كلونان وترينكوناس، والمفهوم المقابل «الحوكمة البديلة»، يساعدان في فهم كيفية ملء قوات الدعم السريع ونظرائها الإقليميين لفراغات الدولة، ليس عبر العنف فقط، بل أيضًا بتوفير النظام وفرص العمل وسلطة الاستخراج.²⁶
يوسّع مصطلح «الارتزاق الإثني» أدبيات الحروب الأهلية وحوكمة المتمردين،²⁷ التي غالبًا ما تركّز على جماعات تسيطر على إقليم وتفرض الحكم. وعلى الرغم من أن قوات الدعم السريع لا تحكم بالمعنى التقليدي، فإنها توفّر خدمات أمنية ومكافآت اقتصادية وحدًّا أدنى من الهوية السياسية، غالبًا بكفاءة تفوق الدولة. ويمزج هذا النموذج بين خصائص بناء الدولة، وريادة التمرد، والتجنيد القائم على الهوية.
ويُعد مفهوم هوفمان عن «العنف بوصفه عملًا» محوريًا هنا.²⁸ فالقوات لا تعبّئ المقاتلين عبر الأيديولوجيا أو القومية وحدهما، بل عبر جعل الصراع مصدر عيش قابلًا للاستمرار. ويتقاطع ذلك مع تصوير ديبوس للحياة المسلحة في تشاد، حيث ينظر الشباب إلى الحرب لا بوصفها قطيعة، بل مسارًا مهنيًا.²⁹ ومن ثم، يعالج الارتزاق الإثني فجوةً في أعمال هوفمان وديبوس عبر إبراز البعد الإثني للتجنيد وممارسة العنف في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.
نشأة قوات الدعم السريع (RSF) وصعودها
لم تنشأ قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية منخرطة حاليًا في الحرب الأهلية السودانية، من فراغ. إذ تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما شرعت الحكومة السودانية في تسليح القبائل العربية في جنوب كردفان لقمع الحركات المتمردة الجنوبية. واستمرت هذه الممارسة في عهد الرئيس عمر البشير، الذي اعتمد بصورة متزايدة بعد انقلاب 1989 على المليشيات الإثنية كأداة للضبط الداخلي. وقد استندت هذه الاستراتيجية إلى منطق بقاء النظام، عبر توظيف الولاءات القبلية والمظالم المحلية للحفاظ على الهيمنة السياسية، مع الالتفاف على احتمال تمرّد الجيش النظامي.
في عام 2003، وأثناء صراع دارفور، أعادت الحكومة تعبئة مقاتلين قبليين وشكّلت ما عُرف لاحقًا بالجنجويد، وغالبيتهم من قبائل الأبّالة العربية (رعاة الإبل). وقد اشتهرت هذه المليشيات بوحشيتها، واتُّهمت بارتكاب تطهير عرقي وجرائم حرب، ما أثار إدانات دولية وأفضى في نهاية المطاف إلى توجيه اتهامات للبشير من المحكمة الجنائية الدولية.³⁰ وعملت الجنجويد كأداة إرهاب دولتي، منفّذة حملات الأرض المحروقة ضد السكان غير العرب تحت ذريعة مكافحة التمرد. وبعد هجوم حركة العدل والمساواة على الخرطوم عام 2008، وسّع النظام هذه المليشيات وشرعنها في قوة جديدة، محوّلًا المقاتلين غير النظاميين إلى كيان أمني شبه رسمي. وفي هذا السياق، جرى ترقية محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أحد قادة الجنجويد، لقيادة ما أصبح لاحقًا قوات الدعم السريع.
أُنشئت قوات الدعم السريع رسميًا عام 2013، وأُدمجت مؤسسيًا ضمن الجهاز الأمني للدولة، مع احتفاظها باستقلالية واسعة. ورغم معارضة القوات المسلحة السودانية لها في البداية، فقد أُلحقت بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ثم رُبطت بالجيش بموجب قانون 2017، مع احتفاظها بسلسلة قيادة خاصة بها. وكان هذا الترتيب براغماتيًا وسياسيًا في آن: إذ سعى البشير إلى خلق توازن مقابل للجيش والأجهزة الأمنية، بينما وفّر حميدتي قوةً مواليةً ذات أساس إثني وسجل قتالي مثبت.³¹ وأتاح هذا الهيكل لقوات الدعم السريع العمل كجهاز عسكري موازٍ، مدعوم من الرئاسة لكنه منفصل عن المؤسسات القائمة.
وسرعان ما تولّت قوات الدعم السريع أدوارًا متعددة: قمع الاحتجاجات، وحراسة الحدود، والعمل كقوة بالوكالة خارج البلاد. وقد شكّل نشرها في اليمن ضمن التحالف الذي تقوده السعودية انتقالًا نوعيًا نحو الارتزاق الإقليمي. وجلبت هذه العمليات عملات أجنبية وسلاحًا، ومنحت حميدتي صلات مباشرة برعاة خليجيين. واشتهر مقاتلوها بأساليبهم الهجومية وكفاءتهم القتالية، في ظل استمرار التساؤلات حول المساءلة والانتهاكات الحقوقية. ولم تكتف مشاركتها في حرب اليمن بإضفاء شرعية دولية عليها، بل رسّخت أيضًا تحالفات قائدها الإقليمية.
بعد ثورة 2019 التي أطاحت بالبشير، أعاد حميدتي تقديم قوات الدعم السريع كقوة استقرار وشريك وطني. وتولّى منصب نائب رئيس مجلس السيادة، ومنح سيطرة اقتصادية على مناجم ذهب رئيسية وإمكانية الوصول إلى تدفقات النقد الأجنبي. وتعزّز نفوذه الاقتصادي حين تعهّد بحزمة دعم بقيمة مليار دولار للبنك المركزي. ومع تصاعد شائعات الانقلاب، اقترب قادة مدنيون من قوى الحرية والتغيير من حميدتي، وجرى تعيينه لاحقًا رئيسًا للجنة الاقتصادية العليا للطوارئ.³² ورسّخ هذا الدور المزدوج — كفاعل أمني ووسيط اقتصادي — نفوذ قوات الدعم السريع في السودان ما بعد البشير.
وخلال المرحلة الانتقالية، وسّعت قوات الدعم السريع استراتيجيتها للعلاقات العامة. فعيّن حميدتي شخصيات من المجتمع المدني، بمن فيهم ناشطون من احتجاجات 2019، واستعان بشركات ضغط دولية مثل Dickens & Madson لتحسين صورة القوات عالميًا. وقد هدفت هذه الجهود إلى إعادة تسويقها كقوة أمنية حديثة ومهنية قادرة على الإسهام في الانتقال الديمقراطي. وفي الوقت ذاته، رسّخت القوات وجودها في الخرطوم ودارفور، معزّزة سيطرتها على البلاد. وانتشرت نقاط التفتيش ومراكز الإمداد وشبكات الاستخبارات التابعة لها في مناطق حضرية وريفية رئيسية، تعمل بمحاذاة الهياكل الرسمية للدولة.
وكان أحد التحولات الأكثر استراتيجية في مجال التجنيد. فمع احتفاظها بجذورها في القبائل العربية بدارفور، بدأت قوات الدعم السريع في تجنيد مقاتلين من مختلف أنحاء الساحل — ولا سيما من تشاد والنيجر وليبيا. واستند هذا التجنيد العابر للحدود إلى روابط قرابة وتجارة تاريخية، واستغل اقتصادات العمل العسكرية في الإقليم. وانجذب المقاتلون بدافع الضائقة الاقتصادية، أو القرب الأيديولوجي، أو الالتزامات القرابية، ما وسّع نطاق عمليات القوات خارج حدود السودان. وفي هذا السياق، لم تعد قوات الدعم السريع قوة وطنية فحسب، بل قوة إقليمية قادرة على التأثير في صراعات تمتد عبر فضاء ساحلي أوسع.
ويُظهر هذا المسار — من مليشيا قبلية إلى كيان شبه عسكري عابر للحدود — كيف تحولت قوات الدعم السريع إلى مؤسسة هجينة تعمل عبر السيادات الوطنية. وهي اليوم تجسيد لما يسميه كلونان وترينكوناس «الحوكمة البديلة»: حكمًا فعليًا في مناطق تغيب فيها سلطة الدولة أو تضعف.³³ ففي مناطق عديدة من السودان والدول المجاورة، حلّت قوات الدعم السريع محل السلطات التقليدية أو استوعبتها، معتمدة على الجباية غير الرسمية والسيطرة على الموارد والشرطة القسرية لترسيخ الهيمنة المحلية. وتطمس عملياتها الحدود بين الأمن العام والخاص، وبين عنف الدولة والعنف غير الدولتي.
وكما جادل دي وال وتوبيانا، كانت الجنجويد وخلفاؤهم دومًا منغرسين في اقتصادات سياسية محلية.³⁴ وقد ورثت قوات الدعم السريع هذا الموقع الرمادي بين عنف الدولة والاستقلالية القبلية. ومن خلال تموضعها داخل مؤسسات الدولة والهياكل القبلية في آن، تحافظ على شرعية مزدوجة تعقّد محاولات نزع سلاحها أو تسريحها. وتغدو نظرية رويسلر حول «فخ الانقلاب–الحرب الأهلية» شديدة الانطباق هنا: إذ يجسّد صعود حميدتي كيف يُستخدم تفكك النخب وتسليح القواعد الإثنية للتحوّط ضد انهيار النظام.³⁵ ويضمن هيكل قوات الدعم السريع أن أي تهديد لحميدتي سيُواجَه بتعبئة مقاتلين موالين ترتبط مصالحهم ببقائه.
وتصاعدت التوترات مع القوات المسلحة السودانية بعد 2019. فعلى الرغم من توقيع الطرفين على اتفاق انتقالي، فإن الخلاف حول الجدول الزمني لدمج قوات الدعم السريع في الجيش تفاقم. إذ اقترحت القوات المسلحة دمجًا خلال عامين، بينما طالب حميدتي بعقد كامل. وانتهى هذا المأزق بحشود عسكرية في الخرطوم. وفي خطوة استفزازية، طوّقت قوات الدعم السريع قاعدة مروي الجوية، ما أشعل صراعًا شاملًا. وهكذا تحوّل خلاف بيروقراطي حول القيادة والسيطرة إلى مواجهة وطنية ذات عواقب مدمّرة.
وبحلول ذلك الوقت، كانت قوات الدعم السريع قد نسجت بالفعل تحالفات خارجية. فقد حافظت على علاقات مع خليفة حفتر في ليبيا، وتعاونت مع مجموعة فاغنر الروسية. وقد حصّنت هذه الروابط القوات من القيود الداخلية وشجّعتها على المضي قدمًا. ومع وجود رعاة خارجيين ومصادر دخل مستقلة، أصبحت أقل خضوعًا لرقابة الدولة السودانية. ومكّنتها علاقاتها الإقليمية من تدفق السلاح والأفراد والمعلومات الاستخباراتية، ما عزّز موقعها كفاعل شبه سيادي داخل السودان وخارجه.
خلاصة القول، تعكس سيرة قوات الدعم السريع أنماطًا أوسع في السياسة المسلحة الأفريقية: خصخصة العنف، وتمييع الحدود بين المصالح العسكرية والتجارية، وتآكل سيادة الدولة. وهي تمثل نموذجًا لنظام أمني «ما بعد سيادي»، تُستمد فيه الشرعية لا من التفويض القانوني، بل من القوة والتمويل ومرونة الولاء. ويُجسّد تحوّلها من مليشيا قبلية إلى فاعل مسلح ذي طابع مؤسسي تقاربَ الحوكمة الأمنية مع اقتصادات الحرب في الدول الهشة. إن فهم هذا التطور ضروري لاستيعاب الأزمة الراهنة في السودان والتهديدات العابرة للحدود التي تطرحها تشكيلات الارتزاق الإثني.
وتتعيّن على جهود بناء السلام مستقبلًا أن تتعامل مع هذه القوى الهجينة، لا بوصفها معطِّلات أو أدوات مساعدة فحسب، بل كفاعلين مركزيين في إعادة تشكيل السلطة السياسية في الساحل والقرن الأفريقي.
الشبكات القبلية العربية والتعبئة العابرة للحدود في الساحل
لا يمكن فهم ممارسات التجنيد العابرة للحدود التي تعتمدها قوات الدعم السريع في السودان اليوم دون النظر إلى الحضور التاريخي العميق وحركية القبائل العربية عبر منطقة الساحل. فاعتماد القوات على استقطاب مقاتلين من تشاد والنيجر وليبيا يقوم على هياكل قرابة راسخة وأنماط هجرة رعوية تعود إلى ما قبل قيام الحدود الدولتية الحديثة. وقد حافظت هذه القبائل العربية — ولا سيما البقّارة والأبّالة — على قرون من التنقّل والرعي والتجارة والمصاهرة عبر مسافات شاسعة، ناسجةً شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية أثبتت قدرًا كبيرًا من الصمود أمام سيادات إقليمية مجزأة.
تاريخيًا، بدأت القبائل العربية الهجرة إلى أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي، في أعقاب انتشار الإسلام. وقد أسهمت طرق التجارة والحج في انتقال العرب من الحجاز إلى مناطق بعيدة مثل سلطنة الفولاني في غرب أفريقيا. وشهدت ليبيا موجات متعددة من الاستيطان العربي خلال فترات السلطنات الأمازيغية، ومع مرور الوقت تحرّك العرب إلى تشاد والسودان بفعل النزوح القسري والفرص الاقتصادية. وأسّس هؤلاء المهاجرون وجودًا دائمًا في مناطق مثل مملكة وداي بشرق تشاد ودارفور في السودان، مُشكّلين ما يصفه الباحثون بـ«الحزام العربي» الممتد من السودان إلى النيجر. وقد لخّص عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد إيفانز-بريتشارد روح البداوة لدى هذه الجماعات حين نقل عن أحد رجال قبيلة أولاد علي قوله:
«نحن لا نسمّي مكانًا ما وطنًا لنا؛ فموطننا هو حيث يوجد العشب والماء».³⁶
أصبحت هذه المجتمعات تُعرف بأسماء مختلفة، من بينها «عرب الشُوَى» في النيجر، حيث استقروا وتزاوجوا مع السكان المحليين. وفي السودان، تعزّزت عملية التعريب بفعل موقع الإقليم بوصفه جسرًا بين العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء. وعلى الرغم من أن هذه المجتمعات العربية ليست كتلةً متجانسة، فإنها تشترك في تقاطعات ثقافية ولسانية متداخلة لا تزال ذات أهمية في الجغرافيا السياسية المعاصرة. ويشكّل هذا التاريخ الطويل من الهجرة والتكيّف الأساس الذي تقوم عليه الاستراتيجية العسكرية الراهنة لقوات الدعم السريع، القائمة على استدعاء شبكات القرابة العربية بوصفها مصدرًا للقوة البشرية والشرعية.
وقد جرى اليوم تعبئة هذه الروابط القبلية لأغراض الحرب. إذ استثمرت قوات الدعم السريع الهويات العربية العابرة للحدود لتوسيع قاعدة التجنيد خارج السودان. وفي المناطق التي تضعف فيها الدولة أو تغيب، غالبًا ما تؤدي الجماعات القبلية العربية دور سلطات فعلية، توفّر التماسك الاجتماعي وأشكالًا من الحوكمة المحلية. ولا تمثّل هذه الانتماءات القبلية مجرد استمراريات ثقافية، بل هي أصول تشغيلية. وخلال النزاع الجاري، ظهرت مقاطع فيديو ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر مقاتلين من تشاد والنيجر يعلنون اصطفافهم إلى جانب حميدتي وقوات الدعم السريع، وغالبًا ما يؤطرون مشاركتهم بلغة دينية وإثنية. وهذه التعبئات ليست عفوية ولا أيديولوجية خالصة، بل تأتي ضمن اقتصاد عسكري أوسع، تعمل فيه الإثنية كمنطق للتجنيد وكصيغة للثقة الاجتماعية في آن واحد.
تعكس هذه الدينامية ما يسميه هاغمان وبيكلار «سياسات التفاوض» التي تميّز أنماط الحوكمة في الفضاءات غير المنظَّمة.³⁷ ففي مثل هذه السياقات، تكون الانتماءات والسلطة سائلة، ويُعاد التفاوض حولها بين الفاعلين المحليين والمليشيات وقوات الدولة. وتتحوّل الهوية القبلية إلى عملة سياسية، تسهّل انتقال المقاتلين والسلاح والإمدادات عبر حدود رخوة. وفي هذه الحالة، تُضفي الهوية العربية شرعية على وجود المقاتلين الأجانب في السودان، وتؤطر مشاركتهم بوصفها جزءًا من صراع أخلاقي وتاريخي. وإلى جانب ذلك، تقدّم قوات الدعم السريع حوافز ملموسة. ففي مناطق تعاني من بطالة شبابية مرتفعة، وإهمال دولتي، وانعدام أمن مزمن، يصبح العنف مهنة عملية، كما تجادل ديبوس في دراستها عن المقاتلين التشاديين.³⁸ وتوفّر قوات الدعم السريع الأجور والسلاح وفرص النهب، مُنشئةً سوق عمل عسكرية غير رسمية يمكن لمقاتلين من مختلف أنحاء الساحل الانخراط فيها. ويُدعَم نظام الزبائنية العسكري هذا بتحالفات إقليمية، وبالتحكم في مناجم الذهب، وبالدعم الخارجي، من دول الخليج إلى مجموعة فاغنر الروسية.
إن تطبيع مشاركة المليشيات العربية العابرة للحدود في النزاع السوداني يشير إلى تحوّل في طريقة تنظيم الصراع وخوضه في منطقة الساحل. فهو يتحدى المفاهيم التقليدية للجيوش الوطنية والجماعات المتمردة، عبر إبراز الطابع الهجين لفاعلين مثل قوات الدعم السريع، الذين يعملون عبر سجلات متعددة: إثنية، واقتصادية، وسياسية، وإقليمية. فهذه المليشيات ليست ظواهر داخلية فحسب، بل هي مندمجة في مصفوفة عابرة للحدود من العلاقات، تشكّلت عبر قرون من الحركة والتجارة والنضال المشترك. ويستدعي هذا الفهم إعادة تصوّر المليشيات في الساحل، لا بوصفها انحرافات غير نظامية، بل كفاعلين سياسيين متجذرين في أنظمة اجتماعية تاريخية. وتُظهر الاستراتيجية التي تتبعها قوات الدعم السريع في توظيف الشبكات القبلية العربية كيف يمكن تسليع الهوية والحركية للحفاظ على العنف عبر الحدود. كما تطرح هذه الظاهرة أسئلة ملحّة حول مستقبل الحوكمة في الإقليم، حيث باتت الجماعات المسلحة غير الدولتية تمارس سلطة فعلية وتعيد تعريف حدود الانتماء السياسي.
تغيّر المناخ، صراعات الأرض، وتآكل السلطة القبلية في الساحل
أعادت عملية التدهور البيئي في منطقة الساحل تشكيل المشهدين الاجتماعي والسياسي بعمق، لا سيما بين الجماعات العربية الرعوية. فقد شكّلت موجات الجفاف الشديدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نقطة تحوّل حاسمة في أنماط العيش الرعوي. ومع تراجع معدلات الأمطار وتسارع التصحّر، واجه البدو الذين اعتادوا تعريف الوطن بأنه «حيث يوجد العشب والماء» انهيار مسارات الرعي، والنزوح عن الأراضي التاريخية، وتزايد المنافسة مع المجتمعات الزراعية المستقرة.³⁹ وقد أسهمت هذه الأزمة البيئية، المتراكبة على أنظمة حيازة أراضٍ هشة وحوكمة منحازة إثنيًا، في تحفيز تحوّل أوسع في بنية السلطة القبلية وديناميات الصراع.
تاريخيًا، اعتمد الرعاة العرب في الساحل، ولا سيما الأبّالة والبقّارة، على الحركة الموسمية عبر المراعي شبه الجافة. وكانت هذه الحركة محكومة بأنظمة عرفية وآليات وساطة تقليدية يقودها شيوخ القبائل. وفي دارفور، ظل نظام «الحاكورة» — الذي نشأ في عهد سلطنة الفور قبل الاستعمار — يمنح حقوقًا جماعية في الأرض مرتبطة بالانتماء القبلي والمسؤوليات الإدارية.⁴⁰ غير أن الإدارات الاستعمارية وما بعد الاستعمار أضعفت هذه الترتيبات. فقد استوعب نظام الحكم غير المباشر البريطاني القيادات القبلية، مع تقنينه في الوقت ذاته لاختلالات في الوصول إلى الأرض. وأُعيد تعريف نظام الحاكورة، الذي كان في الأصل إطارًا للجباية، من خلال عدسة قبلية، لتصبح حقوق الأرض أكثر تسييسًا.
وقد اعترفت قبائل البقّارة الجنوبية، مثل الرزيقات والتعايشة والحبّانية، منذ وقت طويل بأراضٍ قبلية (دُور) وأُدرجت ضمن نظام الحاكورة. في المقابل، ظل الأبّالة الشماليون، مثل المحاميد والمحارية، بلا أراضٍ رسمية، متنقلين في مناطق خُصّصت إداريًا لغيرهم. وأدّى غياب الحقوق المُمأسسة إلى احتكاكات متكررة مع المجتمعات المستقرة، وإلى تهميش سياسي للأبّالة. ومع تصاعد الضغوط السكانية وتقلّص الأراضي الصالحة للزراعة، تحوّلت هذه التوترات بين المجتمعات إلى مواجهات عنيفة. وقد تسببت موجات الجفاف القاسية في عامي 1983 و1984 في نزوح جماعي، خصوصًا من شمال دارفور وتشاد إلى الحزام الزراعي الأوسط في السودان، ما أثقل الموارد والمؤسسات المحلية وأشعل صدامات بين الرعاة والمزارعين حول الوصول إلى الأرض.
ومع تكرار النزاعات على الموارد، ضعفت آليات الوساطة التقليدية. وتراجعت سلطة شيوخ القبائل، الذين كانوا في السابق ضامنين للسلم عبر أعراف مثل «الدية». وأسهم الانتشار الواسع للأسلحة الصغيرة في تقويض هذه المؤسسات. وغالبًا ما زادت تدخلات الدولة الوضع سوءًا: فبدلًا من تعزيز السلطات العرفية، تجاوزتها الحكومات، مفضّلةً شبّانًا مسلحين وعدوا بالولاء السياسي والفعالية القتالية.⁴¹ وقد تصاعدت عملية العسكرة هذه في عهدَي الصادق المهدي وعمر البشير، اللذين استثمرا مظالم الأرض لأغراض سياسية. وأدّى قرار الحكومة بتسليح القبائل العربية عديمة الأرض في دارفور مطلع الألفية إلى تحويل الإزاحة البيئية إلى سياسة هوية مسلّحة. وقد استُمدت مليشيات الجنجويد، التي تطورت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع، إلى حد كبير من هذه المجتمعات المُهمَّشة. وكما يجادل توبيانا، فإن تهميش السلطة التقليدية لصالح الشباب المسلح شكّل قطيعةً حاسمة في حوكمة الأرض والهوية في الإقليم.⁴²
برزت قوات الدعم السريع بوصفها نمطًا جديدًا من السلطة القبلية — سلطة لا تستند إلى الشرعية العرفية، بل إلى القسر والحوافز المالية. فمن خلال تقديم أجور مرتزقة، وإتاحة النهب، والتحكم في الأراضي وموارد الذهب، استقطبت القوات أعدادًا كبيرة من الشباب الساخط. وأعادت بنية الزبائنية هذه تعريف القيادة القبلية على أسس عسكرية، كما قطعت الصلة التاريخية بين السلطة القبلية والاستقرار المجتمعي، مستبدلةً بها تحالفات خارجية وعنفًا مُسَلْعَنًا. وفي الواقع، تستثمر قوات الدعم السريع هذه الظروف عبر تكتيكين مترابطين ينسجمان مع ركائز «الارتزاق الإثني» الأربع. الأول هو التجنيد الشبكي القائم على الهوية، الذي يُشبه سوق المليشيات شبه العسكرية التاريخي في السودان ويظهر بوضوح في ممارسات القوات الحالية.⁴³ أما الثاني فهو الحافز المادي، حيث طبّعت القوات النهب والوصول إلى مواقع الذهب كتعويض، مُقنِّنةً منطق «العنف بوصفه عملًا» وخافِضةً تكاليف الرواتب الثابتة مع إطالة أمد الحرب.⁴⁴ وقد استفادت كلتا الاستراتيجيتين من التدهور المناخي الذي وسّع قاعدة الشباب الرعوي القابل للتجنيد. وبالاقتران، تُحوِّل هذه الخطوات الصدمات البنيوية (زيادة عرض العمل المسلح مع ضعف الوساطة) إلى تعبئة مدفوعة الأجر ومُوجَّهة بالهوية عبر الحدود — أي «الارتزاق الإثني» بمعناه العملياتي.
ويبقى تغيّر المناخ الخلفية الدائمة لهذه العسكرة. فمع استمرار تراجع الأمطار وتقلّص الأراضي الصالحة للزراعة، ازدادت حدّة التنافس على الموارد الطبيعية في دارفور وما وراءها. وقد خلق تداخل الأزمة البيئية مع تلاعب الدولة وضعف الحوكمة القبلية أرضيةً خصبة للارتزاق الإثني. فالنزاعات التي تبدأ خلافاتٍ على المياه ومسارات الرعي سرعان ما تتصاعد إلى عنف إثني عندما تقترن بمظالم تاريخية وزبائنية عسكرية. ومنذ عام 1998، تحوّلت الاشتباكات المتقطعة حول حقوق الأرض إلى صراعات أكثر فتكًا. وتفيد تقارير هيومن رايتس ووتش بأن النزاعات بين مزارعي المساليت والرعاة العرب في غرب دارفور أجبرت آلافًا على النزوح وأسفرت عن مقتل عدد من زعماء القبائل. وقد أعطت استجابات الحكومة الأولوية للأمننة على حساب المصالحة، ما زاد من إضعاف الوسطاء المحليين. وتُظهر هذه الديناميات كيف يحوّل شحّ الأرض، حين يُضاف إلى مشهد مُعسْكَر، مظالم الرعاة إلى عنف استراتيجي.
وفي أراضي الساحل–السودان الجافة، أدّت زيادة درجات الحرارة، وتقلب الأمطار، وتدهور الأراضي إلى تفاقم هشاشة سبل العيش لدى المزارعين والرعاة، موسّعةً قاعدة الشباب الذين يُعد القتال المأجور لهم خيارًا مهنيًا ممكنًا. ويُصنّف تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC AR6) الرعاة ضمن الفئات الأشد تعرضًا للصدمات المناخية،⁴⁵ بينما يربط تقييم برنامج الأمم المتحدة للبيئة للسودان بين التصحر/تدهور الأراضي وتصاعد النزاعات على الموارد في دارفور.⁴⁶ وقد أفرزت الشروط البنيوية ذاتها — الهشاشة المناخية، وضعف الحوكمة، والتقسيم الإثني — ديناميات مماثلة في النيجر ومالي وتشاد. ومن ثمّ، فإن فهم كيف تُنتج الضغوط البيئية وفشل إصلاح الأراضي استجابات مُعسْكَرَة يُعد مفتاحًا لتفسير صعود قوات الدعم السريع والتحوّل الأوسع لطبيعة الصراع في الإقليم.
وخلاصة القول، فإن تآكل السلطة القبلية في الساحل هو في آنٍ سبب ونتيجة للانهيار البيئي والحوكمة المُعسْكَرَة. فقوات الدعم السريع ليست استثناءً، بل عَرَضًا لتحولات بنيوية أعمق، حيث أصبح العنف مبدأً منظِّمًا للسلطة، وحلّت شبكات الزبائنية المسلحة محل أنظمة الوساطة التاريخية وإدارة الأراضي. ومع استمرار تغيّر المناخ في إعادة تشكيل البيئة الفيزيائية والسياسية للإقليم، يُرجّح أن تظل هذه التشكيلات الهجينة في صميم مستقبله.
الرعاية الخارجية، واقتصادات الحرب، والموقع الإقليمي لقوات الدعم السريع
لا يمكن فصل تحوّل قوات الدعم السريع إلى قوة مرتزقة عابرة للحدود عن اندماجها في اقتصادات الحرب الإقليمية والعالمية الأوسع. فإلى جانب ترسيخها الداخلي، نسجت القوات تحالفات خارجية توفّر لها دعمًا ماديًا وعمقًا استراتيجيًا. ويأتي في مقدمة هذه التحالفات كلٌّ من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي يُزعم أنها موّلت عمليات القوات، ومجموعة فاغنر الروسية، التي قدّمت تدريبًا عسكريًا واستشارات سياسية وشراكات لوجستية.
وبحسب تقارير فريق الأمم المتحدة المعني بمراقبة العقوبات، الذي يتابع الحرب في السودان منذ أبريل 2023، فقد «أمّنت قوات الدعم السريع خطوط إمداد جديدة»، مع تفصيل المسارات وتدفّقات العتاد والعوامل اللوجستية الميسّرة. كما تلخّص إحاطات مستقلة لمجلس الأمن هذه النتائج وتُبقي على المخاوف بشأن تنفيذ حظر السلاح.⁴⁷ وقد رصدت منظمات حقوقية أنظمة حديثة الصنع وأجنبية المصدر مستخدمة في الحرب السودانية. وتفيد منظمة العفو الدولية بأنها حدّدت ذخائر موجهة ومدفعية ذات منشأ صيني استُخدمت من قبل قوات الدعم السريع، وتزعم نقلها عبر الإمارات في خرقٍ لحظر تسليح دارفور؛ وهو ما تنفيه الإمارات.⁴⁸ كما أفاد تحقيق لوكالة رويترز بأن قذائف هاون صودرت في شمال دارفور تحمل أرقامًا تسلسلية تطابق شحنات صدّرتها بلغاريا إلى الإمارات عام 2019، ويجري خبراء أمميون التحقيق فيها؛ فيما تُنازع الإمارات هذه الادعاءات.⁴⁹ ويقيّم محللون كذلك أن الطائرات المسيّرة المورَّدة خارجيًا غيّرت ميزان القوة الجوية؛ إذ يُقال إن معدات قوات الدعم السريع ذات منشأ صيني/إماراتي، بينما استخدمت القوات المسلحة السودانية أنظمة تركية؛ ولا يزال تحديد المسؤوليات محل جدل.
ولا تُعد هذه الشراكات الخارجية انتهازية فحسب. فكما يشير فيرهوفن، سعت دول الخليج بصورة متزايدة إلى تشكيل ديناميات الأمن في البحر الأحمر والساحل عبر علاقات بالوكالة، ناظرةً إلى الجماعات المسلحة المحلية كأدوات نفوذ في الدول الضعيفة أو الانتقالية.⁵⁰ وقد أصبحت قوات حميدتي محاورًا رئيسيًا للمصالح الإماراتية في السودان، سواء من حيث «الاستقرار» المعادي للإسلاميين أو من حيث استخراج الموارد. ويلعب الذهب دورًا محوريًا هنا. إذ أتاح تحكّم قوات الدعم السريع في مناجم الذهب بدارفور وقدرتها على التصدير المباشر إلى أسواق الخليج استقلالًا ماليًا عن الدولة السودانية لا نظير له بين القوات شبه العسكرية في الإقليم.⁵¹ وقد مكّن هذا التدفق المالي القوات من الاحتراف والتوسع، كما أتاح شكلًا من بناء الدولة التنافسي من أسفل. وقدرتها على تقديم رواتب وغذاء ونقل للمجندين عبر الحدود — خصوصًا في تشاد والنيجر — تضعها في موقع «رب عمل» موثوق في مناطق تعاني من نقص تمويل الجيوش الوطنية أو انعدام الثقة بها. ويتوافق ذلك مع تحليل رينو لأمراء الحرب الأفارقة الذين يبنون الشرعية لا عبر الأيديولوجيا، بل عبر تقديم المنافع والاعتراف الخارجي.⁵²
وتعكس تشابكات قوات الدعم السريع الإقليمية أيضًا حسابات رعاتها الأجانب. فبالنسبة لفاغنر والإمارات، يتيح دعم قوة مستقلة سياسيًا مثل قوات الدعم السريع تجاوز القيود الدبلوماسية الرسمية وترسيخ النفوذ مباشرة داخل البنية الأمنية الأفريقية الآخذة في التشكل. وبالنسبة لقوات الدعم السريع، توفّر هذه التحالفات غطاءً سياسيًا وتأمينًا عسكريًا. وعندما تصاعدت التوترات مع القوات المسلحة السودانية مطلع 2023، تمكّنت القوات بسرعة من تعبئة الجنود والسلاح والشبكات اللوجستية التي تمتد إلى ما وراء حدود السودان.
ومنذ نحو 2009، ولا سيما بعد الربيع العربي بعامين، اعتمدت الإمارات على نحو متزايد على القوات المرتزقة ضمن سياسة موسّعة للقوة الناعمة والصلبة. ونظرًا لضآلة عدد المواطنين، فإن الاستعانة بمقاتلين مأجورين تقلّل الكلفة السياسية الداخلية للخسائر البشرية، كما اتضح في حملة اليمن عام 2015. وكما يجادل كريغ، واجهت أبوظبي تحديين: استبدال «الأقدام الإماراتية على الأرض» بعناصر قابلة للاستبدال تقبل القتال في بيئات طائفية حسّاسة، وضمان متعاقدين طويلَي الأمد دون الطموحات الريادية المرتبطة بشخصيات مثل إريك برنس.⁵³ وقد بدت قوات الدعم السريع حلًا لهذين التحديين، عبر توفيرها كتلة كبيرة ومنخفضة الكلفة نسبيًا من المقاتلين، لتحل تدريجيًا محل متعاقدين غربيين وكولومبيين سابقين، بقيادة قادة ذوي خلفيات قبلية منسجمة مع الثقافة السياسية الخليجية. ووفق هذا المنظور، خدم التعاون مع قوات الدعم السريع هدف الإمارات في الحفاظ على حضور بري واسع عبر مسارح متنازع عليها، في ظل بيئة إقليمية أكثر تنافسية وقيود دولية آخذة في التراجع.
وتزيد دولنة الصراع السوداني من تمييع الحدود بين اقتصادات الحرب الوطنية والإقليمية. فهي تضع قوات الدعم السريع لا بوصفها جماعة متمردة أو مليشيا فحسب، بل كفاعل هجين — جزء جيش، وجزء شركة مرتزقة، وجزء حكومة غير رسمية. وتعكس عمليات التجنيد العابرة للحدود، وتدفّقات التمويل، والتدريب الأجنبي نموذجًا للحرب المعاصرة في الساحل، حيث تعمل قوى غير نظامية بقدرات شبيهة بالدولة، وغالبًا بتماسك يفوق المؤسسات الرسمية التي تنازعها. وإضافة إلى ذلك، تشير تقارير موثوقة إلى استقدام عمالة مرتزقة أجنبية مباشرة إلى مسرح دارفور؛ إذ تصف تحقيقات صحفية وتقارير وكالات أنباء تجنيد جنود كولومبيين سابقين عبر وسطاء مرتبطين بالإمارات، مع روايات عن مشاركتهم في القتال بمدينة الفاشر شمال دارفور.⁵⁴ ويزيد هذا التطور الجديد من تعقيد تطبيقات وحدود مفهوم «الارتزاق الإثني» في النزاعات الجارية. ومن ثمّ، فإن فهم علاقات قوات الدعم السريع الخارجية يضيف بعدًا آخر لدراسة الارتزاق الإثني، كاشفًا كيف يمكن للعسكرة القائمة على الهوية أن تتضخم إلى عسكرية ذات أثر إقليمي عندما تسندها الرعاية، والقدرة الاستخراجية، والمنفعة الجيوسياسية.
حالات مقارنة للإثنو-مرتزقة في منطقة الساحل
يُتعامل مع قوات الدعم السريع (RSF) هنا بوصفها حالة تأسيسية لبناء نظرية أوسع.
ومع ذلك، يمكن تطبيق مفهوم الإثنو-مرتزقة (Ethno-mercenarism) في سياقات أخرى دون إفراط أو تعسّف، شريطة أن يتم ذلك بحذر، مع الحفاظ على جوهر المفهوم والسماح بتغيّر خصائصه الطرفية، تجنبًا لما حذّر منه كولير وماهون من “تمديد المفاهيم” بشكل مفرط. ويُعد الحفاظ على جوهر المفهوم أمرًا بالغ الأهمية، والمتمثل في الشروط الأربعة المذكورة أعلاه. أما الخصائص الطرفية فقد تختلف، مثل درجة السيطرة الإقليمية، أو البُنى التنظيمية الداخلية، أو أنظمة التسليح المستخدمة.
ليست قوات الدعم السريع ظاهرة معزولة. فقد ظهرت أنماط مشابهة من الإثنو-مرتزقة في مناطق أخرى من الساحل والصحراء، لا سيما في تشاد وليبيا ومالي، حيث شاركت مجتمعات عربية وغير عربية، خاصة الطوارق، في جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الولاءات الوطنية التقليدية. وتساعد هذه الحالات على وضع RSF ضمن اتجاه إقليمي أوسع تتقاطع فيه الهوية والحركية والميل إلى العسكرة لتشكّل تشكيلات مرتزقة. ويمكن العثور على سوابق تاريخية مماثلة خلال احتلال ليبيا لشريط أوزو عام 1973 وضمّه من جانب واحد عام 1975، ما أدى إلى نزاع حدودي طويل الأمد مع تشاد، اتسم بالاستقطاب الإثني، ورعاية الدول، وتدفق المقاتلين الأجانب، وتبدل شبكات الرعاية. واستمر القتال على مدى عقد ونصف تقريبًا، إلى أن اتفق الطرفان عام 1990 على إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، التي قضت في حكمها الصادر في 3 فبراير 1994 بمنح الإقليم لتشاد، تلاه نشر بعثة أممية (UNASOG) للإشراف على الانسحاب الليبي.
في تشاد، انخرطت جماعات عربية مثل المحاميد والسلامات منذ فترة طويلة في تمردات مسلحة وتحالفات متقلبة، خاصة في ظل نظامي حسين حبري وإدريس ديبي. وقد وثّقت مارييل ديبوس كيف كان المقاتلون في تشاد يتنقلون بين التمرد والاندماج في الدولة، تبعًا لتوافر السلاح، والحوافز القيادية، والتضامن العابر للحدود. كما برز مقاتلون تشاديون بشكل لافت داخل الميليشيات الليبية أثناء وبعد سقوط معمر القذافي عام 2011. وقد وفّرت هذه الميليشيات أجورًا ومركبات وفرص نهب مقابل الولاء، ليعود كثير من أفرادها لاحقًا إلى منطقة الساحل كمحاربين مخضرمين في اقتصاديات صراع عابرة للحدود.
وتوضح الحالة الليبية كذلك انتشار الإثنو-مرتزقة. فبعد انهيار نظام القذافي، توافدت مجتمعات عربية وطوارقية من النيجر ومالي إلى ليبيا، حيث شكّلوا أو انضموا إلى جماعات مسلحة متحالفة مع أطراف مختلفة في الحرب الأهلية المستمرة. ولم يكن هؤلاء مجرد أنصار أيديولوجيين، بل مهاجرين اقتصاديين يمتلكون تدريبًا عسكريًا، مستعدين لبيع خدماتهم مقابل الدخل والمكانة. وأسهمت عودتهم لاحقًا إلى مالي في تمرد الطوارق عام 2012 وفي نشوء ميليشيات مرتبطة بالجماعات الجهادية في شمال مالي.
في جميع هذه الحالات، يبرز نمط مشترك: مجتمعات مهمّشة ذات خبرة عسكرية وروابط تضامن إثني تصبح منخرطة في مناطق صراع متعددة بوصفها قوة بشرية متنقلة وقابلة لإعادة الاستخدام. وما يميز قوات الدعم السريع، مع ذلك، هو مدى مأسسة هذا النموذج. فالقوة لا تعمل فقط كجماعة قتالية، بل كوسيط لسوق العمل العسكري، تنقل الرجال القادرين على القتال عبر الحدود من خلال ادعاءات هوية مشتركة وحوافز اقتصاد الحرب. وتُبرز هذه المقارنات الحاجة إلى فهم أكثر دقة للجماعات المسلحة الإقليمية، لا بوصفها حركات تمرد معزولة، بل كعُقد ضمن سوق أمني أوسع في منطقة الساحل. ويزدهر نمط الإثنو-مرتزقة حيث تكون الحوكمة ضعيفة، والهوية قابلة للتعبئة، والعنف مُطَبَّعًا كوظيفة. ويُعد نموذج قوات الدعم السريع تجسيدًا واضحًا لهذا المنطق، وإن لم يكن فريدًا؛ فهو الأحدث، وربما الأكثر تنظيمًا، ضمن نمط ساحلي أوسع من “العمل العسكري القائم على الهوية”.
الخاتمة
تمثل قوات الدعم السريع دراسة حالة قوية لتحول الميليشيات غير النظامية إلى فاعلين عابرين للحدود يتحدّون الدولة. فقد مكّنتها جذورها في الميليشيات القبلية، وتكيّفها مع الانهيار البيئي، واستغلالها للشبكات العربية العابرة للحدود من حشد الموارد والمقاتلين خارج السودان. ويبرز من ذلك نموذج الإثنو-مرتزقة: منظومة تعبئة مسلحة تُوجَّه فيها عمليات التجنيد والتماسك أساسًا عبر شبكات إثنية/قبلية عابرة للحدود؛ وتكون الحوافز المادية (الأجور، النهب، الوصول إلى ريع اقتصاد الحرب) صريحة وروتينية؛ وتحافظ التنظيمات على انفصالها عن أي دولة واحدة (فتخدم أو تقاتل عبر الحدود بسهولة)؛ وتسهّل المُمكِّنات اللوجستية الخارجية (مثل تغيّر المناخ والدعم الإماراتي) الانتشار العابر للحدود. وقد جادل هذا المقال بأن قدرة قوات الدعم السريع على الاستقطاب عبر حزام البقّارة في الساحل تعكس أكثر من عنف انتهازي أو تقارب أيديولوجي؛ إنها نتاج لانهيارات بنيوية في حيازة الأراضي، والقدرة على التكيّف المناخي، وحوكمة القبيلة، تراكمت عبر عقود من عسكرة الدولة والرعاية الأجنبية. لقد أنتج تداخل الضغط البيئي، وتآكل السلطة المحلية، واقتصاديات الحرب الإقليمية نوعًا جديدًا من القوة القتالية: ريادية، متنقلة، ومتجذرة في الهوية الجماعية.
ومن خلال التفاعل مع أدبيات المرتزقة، والحوكمة البديلة، وحكم أمراء الحرب، والفضاءات غير المحكومة، يعيد هذا المقال تأطير مقاتلي الدعم السريع ليسوا مجرد مرتزقة، بل نتاج تحولات إقليمية أوسع في تنظيم العنف. هذه التحولات تطمس الحدود بين الدولة واللا-دولة، والمدني والمقاتل، والوطني والأجنبي. والأهم أن الإثنو-مرتزقة ظاهرة ديناميكية لا ساكنة. فقد تطورت إدارة التحالفات داخل قوات الدعم السريع مع الاستنزاف الميداني، لا سيما بعد القتال الحضري العنيف في الخرطوم والولايات الوسطى، حيث دفعت الخسائر والتمدد المفرط إلى تكييف أنماط التجنيد والحوافز واللوجستيات. ورغم أن المفهوم مؤسَّس على ظاهرة RSF، فإنه قابل للتطبيق في سياقات أخرى حيث تتوافر شروطه مجتمعة. ويمكن للدراسات المستقبلية اختبار قابلية نقله إلى تشكيلات غير عربية في الساحل وخارجه، مع تنقيح نطاقه وتجنب تمديده المفاهيمي عبر تطبيق معايير وحدود وحالات نفي واضحة.
إن فهم صعود قوات الدعم السريع يتطلب أكثر من منظور أمن قومي ضيق؛ فهو يستدعي الانتباه إلى كيفية تقاطع الإثنية والهجرة والجغرافيا السياسية الإقليمية في مناطق أزمات الساحل. إن ظاهرة الإثنو-مرتزقة تتحدى التصنيفات التقليدية للتمرد ومكافحته، وتشير إلى بروز فاعل مسلح جديد يعمل داخل الدولة وخارجها في آن، ويستمد استدامته من القرابة، واقتصاديات الصراع، والرعاية الخارجية.
وبالنسبة لصنّاع السياسات والفاعلين الدوليين المنخرطين في أمن الساحل والبحر الأحمر، تحمل هذه النتائج دلالات مهمة. أولًا، ينبغي أن تتجاوز الاستجابات لمجموعات مثل قوات الدعم السريع أطر مكافحة الإرهاب. فالقوة ليست تنظيمًا إرهابيًا سريًا، بل قوة شبه مؤسسية متجذرة في شبكات رعاية إقليمية وشرعية قبلية واقتصاديات استخراجية. وستفشل جهود الاحتواء إذا لم تعالج الشبكات المُمكِّنة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب الذهب وتدفّق السلاح والرعاية الخليجية.
ثانيًا، يجب أن يقترن الدعم الدولي للدول الهشة باستثمارات أعمق في استعادة مؤسسات الحوكمة القبلية وأنظمة عادلة للفصل في قضايا الأرض. لقد كان تآكل السلطات التقليدية وآليات التحكيم المجتمعي محركًا مركزيًا لعسكرة العنف المرتزق. وإعادة بناء هذه المؤسسات تتطلب التزامًا طويل الأمد واحترامًا للمعرفة المحلية، بدلًا من سياسات تثبيت فوقية.
وأخيرًا، ينبغي تعزيز الأطر الإقليمية لإدارة حركة الرعاة والنزاعات بين المجتمعات. تزدهر الإثنو-مرتزقة حيث تكون الحدود في آنٍ واحدٍ مسامية ومؤمَّنة؛ حيث تُجرَّم الحركة للبعض وتُسَلَّح لآخرين. ويجب إعطاء الأولوية لمبادرات السلام العابرة للحدود، وبرامج نزع السلاح، والاستراتيجيات الاقتصادية الشاملة لتجفيف سلاسل توريد العنف. وتتطلب الاستجابات الفعالة للشبكات الإثنو-مرتزقة المترسخة اجتماعيًا وعيًا شبكيًا: تقييد الشرايين اللوجستية والمالية التي تجعل التعبئة المدفوعة ممكنة، مع تنسيق عابر للحدود. ويمكن للفاعلين الإقليميين ومتعددي الأطراف مواءمة الإنفاذ عبر خارطة طريق الاتحاد الإفريقي «إسكات البنادق»، مع الاستفادة من تقارير مجلس الأمن لتركيز التفتيش والتتبع حيث يكون الأثر أكبر. وعلى المدى الطويل، يجب أن تُصلح السياسات أيضًا مؤسسات وأنظمة الحركة التي تستغلها هذه الشبكات. إن تعزيز حوكمة الأرض والحيازة وفق المبادئ التوجيهية الطوعية للحوكمة الرشيدة لحيازة الأراضي (VGGT) لمنظمة الأغذية والزراعة، إلى جانب الأدلة الفنية المصاحبة، يمكن أن يقلل من التجنيد القائم على المظالم؛ وبالتوازي، فإن تقنين حركة الرعي عبر أدوات الترحال في الإيكواس والإيغاد يمكن أن ينزع الطابع الأمني عن التنقل الموسمي، ويحدّ من الافتراس عند نقاط التفتيش، ويقلص حجم سوق العمل المتاح لوسطاء العنف. وخلاصة القول: إن كبح شبكات الإثنو-مرتزقة يتطلب تشديد الأسواق والحركة (اللوجستيات، السلاح) مع إعادة بناء مؤسسات حل المشكلات المحلية (الفصل في قضايا الأرض، حوكمة الحركة) التي تحرم هذه الجهات من العمالة والشرعية والريع. ومن دون ذلك، قد يتحول نموذج قوات الدعم السريع إلى مخطط يُحتذى به لفاعلين مسلحين قادمين في المنطقة.