رأي

٣ ملاحظات لدراسة الواقع الاقتصادي وفهمه

بقلم: مصعب عوض محمد خير

البعض يعتقد ان الحديث عن قضايا اقتصادية خاصة اصلاحية وتنموية في ظل وضع السودان الحالي هو حديث لا يستوعب الوقائع والسياق السوداني.
قبل استعادة مدني والخرطوم وحتي خلال شهور الحرب الأولي كنت أكتب من وقت لاخر مواضيع معنونة ب(سودان ما بعد الحرب)، وكانت تصلني تعليقات مستهجنة ، اليوم الحرب لا زالت مستعرة لكن الحديث عن سودان ما بعد الحرب لا يعني بالضرورة افتراض توقفها بل يعني ان الحرب فرضت واقع جديد كليا توقفت ام استمرت فلن يعود السودان لما قبلها.
هذه الحرب يجب أن تكون منعطفا حقيقيا وكبيرا، فكما غيرت الوعي الجمعي للشعب السوداني لمفهوم الأمن القومي ومفاهيم أخري عميقة اجتماعية وسياسية ، يجب ان تكون محطة فكرية هامة. النخب السودانية في كل مجال امام تحدي اعادة صياغة الافكار والتوجهات العامة كل في مجاله.
في مجال الاقتصاد لم ألمس بوضوح نشاط فكري يرتقي للحظة التاريخية هذه ، ربما لغياب المنصات والاحجام عن المشاركة في الفضاء العام المسمم سياسيا .
مقاربتي لدراسة الواقع الاقتصادي وفهمه وتقديم حلول للمستقبل تقوم علي فهم الماضي ، دراسة تاريخ الاقتصاد السوداني نقطة انطلاق أساسية لأي باحث جاد ، ولدي ثلاث ملاحظات تستحق الذكر في هذا المضمار:
الاولي: هي ميل كثير من الدراسات التي تناولت تطورات الاقتصاد السوداني لتجاهل تأثير التحولات الكبري في العالم علي الواقع الاقتصادي محليا واختيار وتصميم السياسات الاقتصادية.
الثانية: هي وجود أوجه شبه قوية بين طبيعة الازمات والمشكلات الاقتصادية التي نواجهها اليوم مع تلك التي كانت موجودة منذ الاستقلال مرورا بالستينيات، والسبعينيات، في تشابه مدهش ومحبط.
الملاحظة الثالثة: هي القفز الغريب في الأدبيات الاقتصادية السودانية لتبني النماذج والحلول دون التوقف مطولا علي الأسباب ومواطن الخلل واعتبار خلل السياسات هي المصدر الأكبر للمشكلات الاقتصادية.
السياسات الخاطئة اسهمت في استمرار المشكلات دون حل، ربما فاقمتها جزئيا في بعض الأحيان لكنها لم تخلقها من العدم ، ضعف الانتاجية كمفسر أساسي لضعف الاقتصاد السوداني مرتبط بعوامل أعمق من فشل السياسات الاقتصادية.
بل هي بنيوية مرتبطة بطبيعة الاقتصاد السوداني نفسه، وليس كيف يدار، اقتصاد لا يخلق قيمة عالية يعتمد علي الريع، وتذهب طاقات الأيدي العاملة فيه لأنشطة منخفضة الانتاجية .
استيعاب أن تدني الانتاجية مصدر، ومؤشر في آن واحد للخل في الاقتصاد السوداني يضفي وضوح في الرؤية ويساعد في ترتيب الأولويات.
التطورات الديموغرافية كانت واحدة من العوامل الايجابية الهامة علي الاقتصاد السوداني ، زيادة قوية في عدد السكان 2.5% سنويا، وإتجاه لزيادة السكان في المناطق والمراكز الحضرية علي حساب الريفية، هذا أمر جيد جدا من منظور اقتصادي لكنه يضغط بشكل اكبر ويبرز قيود الطاقة والنقل كاكبر نقاط اختناق الاقتصاد السوداني.
وفي الوقت نفسه يضاعف من قدرة القطاعين علي زيادة الانتاجية. وتحسين الشروط البنيوية للاقتصاد السوداني في حال احداث تحسينات جوهرية علي هذين القطاعين.
الحديث عن الصناعات الدفاعية وجعلها ضمن القطاعات ذات الاولوية القصوي يستوعب أن جيشا قويا قادر علي تأمين إمداد مستقر للمعينات الاساسية والذخائر علي الأقل هو تحدي وجودي الآن للدولة السودانية، ولكن في نفس الوقت من زاوية اقتصادية لا استطيع الا ان انظر له كطلب مستمر ومتزايد يجلب فرصة اقتصادية ويستثمر في خبرات ذات تأهيل عالي موجودة ستنقطع وتضيع اذا لم يعاد بناء هذا القطاع بشكل قوي الآن دون تأخير.
من يعتقد أن حديثي عن الطاقة والنقل تكرار لما كتبته سابقا، فهو محق ، وساعيد تكرار نفس الفكرة مرارا من زوايا مختلفة، هذا تكنيك متعمد وضروري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى