فيما أرى عادل الباز 1 انفضَّ سامر نيروبي، وكالعادة لا جديد. نفس البيانات، ونفس التوصيات، ونفس الأشخاص، ونفس الرعاة. ألا يضجر هؤلاء من مهرجانات الضجيج الفارغ؟ ألا يملّ المهرجون من المشاركة في هذه المسرحيات الهزلية العدمية؟ كم مؤتمرًا عقدوا قبل الحرب وبعدها؟ وكم ورشةً أقاموا؟ وكم لقاءً عقدوا في شتى المنابر والبرلمانات الغربية؟ فماذا حصدوا سوى الرماد؟ هل توقفت الحرب؟ هل حلَّ السلام؟ كلما ذهبوا إلى مؤتمر عادوا خائبين. مؤتمرات لا تنتج شيئًا سوى أطنان من «الكلام الساكت» والبيانات الهراء. أحيانًا أشعر بالشفقة عليهم، وألتمس لهم العذر؛ فهم لا يملكون شاغلًا سوى الدوران في حلقات المؤتمرات والمؤامرات، فهذه هي وسيلتهم الوحيدة لكسب العيش. ولو توقفت هذه الدائرة الفارغة، لاضطروا إلى مواجهة واقع الشعب الذي يدَّعون تمثيله: الجوع، والنزوح، والدمار. لكنهم يفضلون التنقل بين الفنادق الفاخرة والمؤتمرات المكيَّفة على زيارة المخيمات. اذا لم يفعلوا ذلك فمن أين سيعتاشون إذن؟ لذلك يحرسون أبواب الغرب أكثر مما يحرسون أبواب وطنهم. 2 ما يستوقفني في هذه الحفلات أن مسارحها وعروضها كلها في الخارج؛ فهي، في نهاية المطاف، مرتهنة له في معظم شؤونها. فهو الذي يوفر لها التمويل، ويفتح أمامها أبواب المؤسسات والبرلمانات، ويصوغ لها التوصيات والمواقف، ويرسم لها خرائط الطريق، بل ويحدد لها اتجاه الحركة والمسار السياسي الذي تسير فيه. في البيان الختامي الذي أصدره المجتمعون في نيروبي، أو ما أسموه «إعلان المبادئ السوداني»، لا يوجد جديد يُقترح سوى ما قررته الرباعية. ولا أدري كيف نسوا الإشارة إلى مخرجات «نداء برلين». ففي ذلك الإعلان الصادر في 30 مايو 2026، دعت القوى المجتمعة بنيروبى إلى «التشاور المنظَّم مع آليات الوساطة الدولية والإقليمية في كافة خطوات تصميم العملية السياسية، وضرورة توحيد المنابر الخارجية في منبر واحد مستند إلى خارطة طريق الرباعية». وكأن الرباعية أصبحت «القبلة السياسية» التي لا يحيدون عنها، في حين أن الشعب السوداني لم يُستشر يومًا في رسم هذه الخارطة. 3 يعتقد النواطير أن انتصارهم الحقيقي وعدالة قضاياهم يستمدان قوتهما وشرعيتهما من تأييد الغرب ودعمه، لا من شعبهم الذي ابتعدوا عنه بقدر ما سدروا في عمالتهم. وكلما حرّضوا الغرب ضد وطنهم، تفاقمت عزلتهم. إن النواطير لا يفهمون أنك، بقدر ما تخون وطنك، وتدعو إلى محاصرته، وتمزيق جيشه، وتفتح الأبواب لغزوه، فإنك في الحقيقة تغزو نفسك قبل أن تغزو وطنك. هكذا يصنع الخائن مصيره: يبدأ بخيانة أهله، ثم ينتهي بخيانة نفسه، فيصبح أداةً بيد من يستخدمه ثم يرميه. إن دعم الغرب لجماعة نيروبى ليس عملًا خيريًا، بل هو استثمار في وكلاء محليين يضمنون له إدارة المشهد بأقل تكلفة. فالدول لا تتعامل بالعواطف، بل بالمصالح، وهذه الجماعات تقدم نفسها أدواتٍ جاهزة لإعادة تشكيل السلطة بما يتوافق مع تلك المصالح 4 ويتعجب المرء من هذا الاستجداء المتصل للغرب، الذي أدمنه النواطير ليفعل لهم كل شيء: يطلبون منه أن يضغط على الحكومة السودانية لتستجيب لدعوتهم إلى وقف الحرب، وأن يفتح لهم المسارات الإنسانية لـ«تشوين» المليشيا كي تواصل جرائمها، وأن يدمج المسارات المختلفة منعًا لاستغلال تعدد الوسطاء، وأن يفرض هدنة على الحكومة السودانية، وأن يعاقب الحركة الإسلامية بتصنيفها منظمة إرهابية وإقصائها من الساحة السياسية، وألا يتعامل مع الحكومة السودانية باعتبارها غير شرعية، وأن ينشئ منصة تفاوض واحدة لهم، وأن يحاسب مرتكبي الانتهاكات ــ مع تجاهل تام لجرائم المليشيا وما ارتكبته من إبادات ــ ثم يطالبونه أخيرًا، أو قل يستجدونه، ليعترف بشرعيتهم ويحملهم إلى كراسي الحكم مردوفين على ظهر «تاتشرات» الجنجويد. عجبتُ لأمر الناطور الصغير؛ جاب عواصم أوروبا مستعديًا الغرب على وطنه، يوزع الاتهامات جزافًا. نسب إلى القوات المسلحة استخدام الأسلحة الكيميائية بلا بيّنة، وادّعى أن الدولة السودانية تمثل خطرًا على الأمن الإقليمي والدولي دون أن يسند قوله بحجة أو برهان، ثم حمّل الإسلاميين مسؤولية اندلاع الحرب، مطالبًا بإقصائهم من المشهد السياسي، وكأن الدعوى تغني عن الدليل. خلاصة أمره أنه لم يترك امر مشينا إلا ألصقه ببلاده، ولم يدع منبرًا إلا استغله للطعن فيها أمام الأجانب. حتى ليخيّل للمرء أنه استنفد كل ما يمكن أن يُقال، فلم يبق له إلا أن يشكو لهم شعبه وربه. يا له من ناطور بائس؛ توهّم أن الوقوف في حضرة سادته بطولة، وأن الاستعداء على الأوطان ضرب من الفتوح. يتبختر كأنه عاد من معركة ظافرًا، وهو في الحقيقة لم يغادر موقعه القديم: مرددًا لما يُملى عليه، ومقتاتًا على رضا الآخرين وكأن الشاعر الكبير عبد القادر الكتيابي كان يعنيه حين قال في رائعته «ذات الهودج»: يا ناطور باب (الغرب)… مغزوا تقول غزوت.!» 5 السؤال المحوري الذي يظل قائمًا: لماذا يقدم الغرب كل هذا الدعم لهم؟ الإجابة ببساطة: لأنهم خدَّام في بلاطه، ونواطير مؤتمنون على مصالحه. لا تجد في خطابهم مفردات الشعب الذي يتحدثون باسمه زورًا. إنهم «خيالات مآتة بلا شعب»، لم يزوروه في منافيه، ولم يقدموا له العون في معسكرات النزوح واللجوء. ليس لديهم خطة اقتصادية، ولا أفق سياسي جامع، ومع ذلك يحددون من يشارك ومن لا يشارك، ويصنفون خصومهم حسب الأهواء، ويقصون من لا يروق لهم. على أي أساس؟ وبأي شرعية؟ لا أحد يعرف. نواطير الغرب يبحثون عن شرعية مستعارة من برلمانات الغرب ووكلائه، وما علموا أن الشرعية الحقيقية تُكتسب من الشعب لا من غيره.. النواطير سيظلون يطرقون أبواب الغرب حتى يدركوا ــ ولو متأخرين ـ. سيظلون يطرقون أبوابًا لا تفضي إلى أوطان، ويطلبون الشرعية ممن لا يملك منحها أصلًا. وحين تنفضُّ موائد الرعاة، وتُطوى ملفات الوكلاء، ويغلق السادة أبوابهم، لن يبقـى لهم إلا ما تركوه وراءهم: شعبٌ لم يخترهم، ووطنٌ لم يغفر لهم. إن كل “الكرزيات” الذين راهنوا على الخارج في مواجهة أوطانهم لم يربحوا يومًا رهانهم. قد يظفرون بمنصة هنا، أو بيان هناك، أو صورة تذكارية في ردهات البرلمانات الأجنبية، لكنهم يخسرون في كل مرة شيئًا أكبر: ثقة شعبهم 6 يا نواطير باب الغرب، قليلٌ من الحياء لا يضر. الشرعية التي تطاردون سرابها لا تُستورد في حقائب المسافرين، ولا تُمنحها العواصم الأجنبية. أما الابواب التى تحرسونها بكل هذا الإخلاص، لن تفضي بكم إلى كراسي السلطة ، وإنما إلى المكان الذي انتهى إليه كل من راهن على غير شعبه: مزبلة التاريخ. .