وقائع ندوة أتَـر: إعادة التفكير في تشكّل الدولة في أفريقيا، المليشيات، السُّلطة، وأزمة السيادة
Mazin
عقَد مركز فاكتس للصحافة منتداه الثالث يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، ودعا إليه مجموعة من المؤسّسات والفاعلين، واستضافه مبنى مدرسة الدراسات العليا للإعلام والاتصال (GSMC)، بجامعة آغا خان، في العاصمة الكينية نيروبي. اشتملت الأنشطة على ندوة بعنوان «إعادة التفكير في تشكّل الدولة في أفريقيا: المليشيات، السلطة، وأزمة السيادة»، وتناولت تجارب السودان وجنوب السودان والصومال في القرن الأفريقي، وكشفت عن مفارقاتٍ عميقة بين السيادة، والشرعية، والسلطة. ضمّت الندوة ثلاثة متحدّثين، هم:
د. مجدي الجزولي (من السودان): كاتب وباحث مُختصّ في الشأن السوداني، يكتب أسبوعياً في مجلة “أتَـر”، وتشمل اهتماماته الاقتصاد السياسي، والتاريخ الفكري، وأحاجي الحبُّوبات.
د. مجاك أقوت (من جنوب السودان): باحث في مركز القيادة الأفريقية بكلية الدراسات العامة والعلوم الاجتماعية في King’s College London، وتركز اهتماماته البحثية على إدارة المخاطر والحروب غير المتكافئة والاستخبارات والعلاقات المدنية-العسكرية.
د. راشد عبدي (من الصومال): مُحلّل وباحث، ومدير القرن الأفريقي والشرق الأوسط في مركز صحن للبحوث.
خالد علي (من السودان): مُتخصّص في التحول الرقمي وتنمية القطاع الخاص، يركز حالياً على مبادرات التعافي المبكر بقيادة المجتمعات المحلية في السودان.”في بداية مسيرتنا، في العام 2021، كنا قد حددنا هدفاً آخر وهو إنشاء أكاديمية للصحافة. لا يمكنني أن أطلق عليها أكاديمية في الوقت الراهن، لكن ما حققناه هو البداية بـ «برنامج الزمالة الصحفية»، الذي تمكنا من خلاله من تخريج 22 صحافيةً وصحافياً في أربع دورات منذ انطلاق البرنامج، إضافة إلى خمسة من الصحافيين والصحافيات يدرسون في الدورة الخامسة الحالية. وهو برنامج تدريبي يمتد لستة أشهر. يهدف برنامج الزمالة إلى استيعاب المواهب الصحافية الشابة؛ أولئك الذين يعملون في الصحافة أو الراغبين في الالتحاق بهذه المهنة. واليوم يملأني الفخر بأن معظم فريقنا في «أثر» من خريجي هذا البرنامج، بعضهم لم يمارس العمل الصحافي من قبل، لكنهم استفادوا من برنامج الزمالة والتدريب. والايوم يمكنني أن أقول – بناءً على خبرة امتدت لسبعة عشر عاماً في هذه المهنة – أنهم تمكنوا من إنتاج عمل صحافي بجودة ومهنية عالية تُطالعونها في إصداراتنا، ويتابعها بعضكم في منصاتنا الرقمية أو من خلال نسخة «أتر» الإلكترونية لذا فإنني شديد الفخر بهؤلاء الصحافيين والصحافيات، خاصة الشباب منهم، الذين انضموا إلينا في هذه الرحلة وأنتجوا هذه الصحافة المتميزة. أما عن المناقشة الفكرية اليوم، حول ما يواجهه السودان الآن، فإننا نود أن نقول إنّ السودان ليس معزولاً عن محيطه الأفريقي، بل إن هناك كثيراً من المشتركات بين السودان وعديد من الدول الأفريقية الأخرى، ونطمح أن يلقي متحدثونا الضوء على هذه القضايا. أود أيضاً أن ألفت النظر إلى أن الصحافة المستقلة تحتاج إلى الدعم من المجتمع، وهو ما دعانا لإقامة هذه الفعالية؛ ليس لنعرض عليكم ما نفعله فقط، بل لنمد أيدينا إلى الأفراد والمؤسسات التي تؤمن بأهمية دور الصحافة المستقلة للمواطن والمجتمع السوداني. فالأعمال الفنية التي بين أيديكم والتي تحكي قصتنا بشكل آخر، تدعوكم اليوم عقب المناقشة إلى التفضل بشراء بعض منها. وهذا يدعم مسيرتنا ويحظى بتقديرنا. أشكركم ثانية، وأدعو خالد ليبدأ المناقشة. خالد: طاب نهاركم ثانية، أنا خالد علي، وسأتولى إدارة هذا الحوار. دعوني أبدأ بأننا كنا نأمل في أن يكون دكتور مجاك أقوت حضوراً معنا هنا، ولقد ذهب إلى مطار جوبا في السادسة من صباح الأمس مستعداً للحضور، إلا أن خللاً في مطار جومو كينياتا منعه من الحضور، لذا سيحضر عبر الإنترنت، وآمل أن تسير الترتيبات الفنية على نحو جيد، وبالمثل يحضر مجدي الجزولي مشاركاً من ألمانيا. ويحضر معنا هنا في قاعة الندوة راشد عبدي.”. “موضوع نقاشنا اليوم هو موضوع بالغ التعقيد ومتعدد الزوايا، ولدينا ثلاثة مفكرين مرموقين، لكل منهم تجربته وعمقه الخاص. أود أن أطرح بعض الأطر العامة قبل الخوض في النقاش. يتمرحل هذا الحوار من الدقة والتجريد الفكري إلى التجليات العملية لبعض هذه الأفكار على أرض الواقع، في ثلاث دول مهمة ومتداخلة في عدة أوجه وهو إلى ذلك يواجه أزمتين متزامنتين: أزمة السيادة وفقاً لمفهوم الدولة، بالتركيز على منطقة القرن الأفريقي، والسودان وجنوب السودان والصومال بالضرورة في قلب هذه الأزمة، ومن ناحية أخرى هناك أزمة النظام العالمي الذي يُعرف هذه الدول ويعترف بها. يمثل السودان وجنوب السودان والصومال مفارقة لافتة للنظر. ثلاثتها دول تحظى بالاعتراف الدولي، وتحظي حكوماتها بالسيادة على حدودها. ووفقا للتعريف المعاصر للدولة، فإنها دول ذات سيادة، لكن في واقع الأمر لا تنفك القوى المسلحة عن التوالد. المليشيات ليست مشروعاً سياسياً بديلاً بقدر كونها تمظهراً للفشل المنهجي، للانهيار المؤسسي في الاستقرار السياسي، في العلاقة بين المدني والعسكري وقضية الحوكمة، وفي الشمول الاقتصادي، وهي بالمثل تمظهر للنفوذ الإقليمي والدولي. لدينا الآن جيوش وقوات شبه عسكرية ومليشيات كلها قادرة على الحصول على الموارد والتمويل، ما أضحى مُسبّباً لمزيد من النزاعات ومهدداً للعقد الاجتماعي في بنية هذه الدول. وفي الوقت ذاته فإنّ القرن الأفريقي يكشف عن توتر بنيوي في نموذج الدولة الحديثة، ذلك النموذج الذي يُعلي من شأن السلامة الإقليمية والاعتراف الدبلوماسي والمساواة في السيادة، لكنه لا يضمن الشرعية المحلية. ما أود طرحه هنا أن تلك الشرعية لا تتأتى فقط بالاعتراف الخارجي، ولكن بالقاعدة الجماهيرية، تلك الشرعية المتولدة من الدوائر الانتخابية، ومن المواطنين ومن الكتلة السكانية. ما نود تفكيكه خلال هذه المناقشة هو ما إذا كانت هذه الأنظمة العالمية قد أصبحت أكثر فاعلية في الاعتراف بالحكومات القائمة، مما هي عليه في تعزيز السيادة الشرعية، وتعريف الشرعية بمعايير الاعتراف الدولي مقابل شرعية الدوائر الانتخابية والقاعدة الجماهيرية. تتوزع هذه المناقشة على ثلاثة محاور: المحور الأول هو توطئة مفاهيمية مع المتحدثين، ثمّ نمضي في المحور الثاني إلى التصدي للتشظي الذي يحدث الآن. وفي المحور الثالث نخلص إلى إعطاء بعض التصوّرات عن كيفية تجسيد هذه المفاهيم: الشرعية، وكيف تبدو في القرن الأفريقي؟ المليشيات، وما الدور الذي تؤديه في مستقبل المنطقة؟ سنعمل على تفكيك كل هذا، وأنا متحمس للغاية لسماع المتحدثين وهم يتناولون هذه القضايا بالتحليل والنقاش.”.