هل يكفي ألا يسرق المسؤول؟ .. النزاهة شرط لازم، لكنها ليست دليل إنجاز

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

كلما انتقد الناس وزيراً أو مسؤولاً، خرج من يدافع عنه بقوله: هو رجل نزيه، لم يسرق ولم تُسجَّل عليه قضية فساد “زول نضيف”. والنزاهة لا خلاف عليها، فهي شرط لا يصح تولّي المسؤولية العامة بدونه. غير أن الخلل يبدأ حين نجعل من عدم السرقة شهادة كفاءة، ومن غياب الفساد دليل نجاح.

فالوزير أو المسؤول لم يُعيَّن ليجتاز اختبار الأمانة وحده، بل ليدير قطاعاً بعينه ويحقق فيه نتائج يلمسها الناس. ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل سرق؟ علينا أن نسأل أيضاً: ماذا وجد حين استلم الوزارة؟ وماذا وعد، وما الذي تحقق من وعوده؟ وهل تحسّن حال القطاع في عهده، وهل شعر المواطن بفرق؟ وهل كان يقرر في وقته أم يؤجل المشكلات؟ وكيف استخدم ما أُتيح له من موارد مالية وبشرية؟

وأهم من ذلك: ماذا ترك بعده؟ هل ترك مؤسسة أقوى وأقدر على الاستمرار، أم تركها كما وجدها، أو أسوأ؟

هذه الأسئلة ليست أسئلة نظرية، فهي جوهر ما يسمى المساءلة عن الأداء (Performance Accountability)، أي أن يُحاسَب المسؤول على ما حققه من نتائج، كما يُحاسَب على سلامة ذمته. وتقوم عليها الإدارة بالنتائج (Results-Based Management)، التي لا تقيس نشاط الوزارة بعدد الاجتماعات والتصريحات، وإنما بما أفضت إليه من مخرجات وآثار على أرض الواقع. ويضيف مفهوم القيمة العامة (Public Value) سؤالاً أعمق: ما الذي أضافه المسؤول للمواطن والدولة؟ فالمنصب لا يُقصد منه حفظ الموارد، بل تحويلها إلى خدمات ومنفعة يشعر بها الناس.

ومن هنا نفرّق بين النزاهة (Integrity) والفاعلية (Effectiveness). الأولى تجيب عن سؤال: هل صان الأمانة؟ والثانية: هل حقق الغرض الذي جاء من أجله؟ ثم الكفاءة (Efficiency)، فقد يكون المسؤول نزيهاً وينجز بعض الأعمال، لكنه يهدر الموارد في سبيل ذلك. فالعبرة بالنسبة بين ما أُنفق وما تحقق، وهذا ما يُعرف بتحقيق أفضل قيمة مقابل المال العام (Value for Money).

ولعل أكبر علة في تقييم المسؤولين عندنا أن كثيراً منهم يتولى المنصب دون خطة معلنة ولا أهداف محددة. يمضي الوزير أو المسؤول سنواته في وزارته ثم يغادرها، ولا أحد يستطيع أن يقول: ماذا كان مطلوباً منه أصلاً؟ فحين تغيب الخطة الاستراتيجية (Strategic Plan)، وتغيب الأهداف الذكية (SMART Goals)، أي المحددة والقابلة للقياس والواقعية والمرتبطة بزمن، لا توجد مؤشرات أداء رئيسية (Key Performance Indicators – KPIs) يُحتكم إليها، ولا وضع مبدئي (Baseline) يُقاس عليه التحسن، ولا مستهدفات (Targets) يُسأل المسؤول عنها. وحين يغيب المعيار، يصير كل تقييم مجرد انطباع.

ولأن الحساب على الأداء يحتاج إلى أرقام لا نملكها، نلجأ إلى ما هو متاح: سيرة الرجل وسمعته ونظافة يده. فالنزاهة تُعرف بالسمعة، أما الإنجاز فلا يمكن إثباته ولا نفيه بلا معيار. وهكذا يصير الكلام العائم ملاذاً للجميع؛ المسؤول يحدثنا عن «جهود مبذولة» و«تحديات كبيرة» بدل النتائج، ومدافعوه يحدثوننا عن طهارة ذمته بدل الأداء.

والمخرج أن يقترن التكليف بعقد أداء (Performance Contract) يحدد الأهداف ومؤشرات الأداء (KPIs) والمدة الزمنية، مع نظام للرصد والتقييم (Monitoring and Evaluation) يراجع التقدم دورياً ويُعلن للناس. عندها يعرف المسؤول بماذا سيُحاسب، ويعرف المواطن بماذا يحكم، ويصبح سؤال «هل أنجز؟» سؤالاً له جواب.

وإذا نظرنا إلى بعض القادة الذين بقي ذكرهم في التاريخ ، من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم إلى مهاتير محمد وأردوغان وميركل، وجدنا أن الناس يتحدثون عمّا أنجزوه وما غيّروه وما تركوه من أثر، ولا يذكرهم أحد لمجرد أنهم لم يمدّوا أيديهم إلى المال العام.

فالنزاهة أساس الثقة في المسؤول، لكنها ليست مقياس نجاحه. وعدم سرقة المال العام هو الحد الأدنى المطلوب ممن يتولى المنصب، وليس إنجازاً يُحسب له. وإذا كنا قد صرنا نحاسب على الفساد، فلا ينبغي أن نعفي المسؤول من المحاسبة على الفشل وضعف الأداء. فغياب الفعل المخالف للقانون لا يعني وجود الإنجاز، وسلامة الذمة لا تعني بالضرورة حسن الإدارة.

والدولة لا يكفيها مسؤولون لا يسرقون، بل تحتاج إلى من يعرف ما يريد، ويقرر في وقته، ويحسن توظيف الموارد، ويواجه الأزمات بدل الهروب منها، ويسلّم مؤسسته لمن بعده في حال أفضل مما استلمها.

فمن لم يضع خطة لا يمكن أن نحاسبه على نتيجة، ومن لا نحاسبه على نتيجة سنكتفي بالثناء على نزاهته.

وبلغة المنطق، النزاهة شرط لازم (Necessary Condition) في المسؤول العام، لكنها ليست شرطاً كافياً (Sufficient Condition) للحكم بنجاحه.

وينبغي ألا يُفهم هذا المقال على أنه تقليل من شأن النزاهة، فهي أصل لا يُستغنى عنه. وإنما هو محاولة لتوضيح خلط مفاهيمي شائع، يجعلنا نحسب الأمانة إنجازاً، ونحكم على المسؤول بما ينبغي أن يكون فيه أصلاً، لا بما قدّمه فعلاً.

وخلاصة القول: النزاهة تحمي المسؤول من خيانة الأمانة، أما الإنجاز فهو الذي يبرر وجوده في المنصب.

↑
Exit mobile version