رأي

هل كسر المحبوب عبدالسلام (القبة الحديدية)للمؤسس؟!

د.ناهد محمد الحسن

عثرتُ على بوست بالصدفة لأسامة قرافي في فيسبوك، ربما يعقب على خيط حوار او سؤال: هل سبق المحبوب، د.الترابي بخطوة في نقد المشروع الاسلامي؟ وهو نوع من الكتابة  يوقظ فينا رغبة قديمة في التفكير لا في الرد.

شدّني العنوان أولًا، ثم شدّني أكثر ذلك الجهد الواضح في محاولة الإمساك بسؤال بالغ الحساسية:

هل سبق المحبوب عبد السلام الدكتور حسن الترابي بخطوة في نقد المشروع الإسلامي؟

المقال، في جوهره، ليس كتابة انفعالية، ولا تصفية حساب، ولا محاولة لهدم الرموز، بل اجتهاد فكري صادق يحاول أن يفهم لحظة انهيار مشروع كامل عبر شخصيتين مركزيتين في تاريخه. وهذا وحده يستحق التثمين، خاصة في مناخٍ يميل إلى الاختزال، وإلى تحويل النقاشات الفكرية المعقّدة إلى معارك ولاء وخيانة.

ما ينجح فيه المقال – وبذكاء – هو إدراكه للفارق بين موقع المؤسس وموقع الناقد اللاحق.

الترابي لم يكن مجرد مفكر داخل المشروع، بل كان حامله الرمزي، ومؤسسه، ووجهه التاريخي. أي نقد جذري منه لم يكن ليُقرأ كنقدٍ للأفكار فقط، بل كإدانة للذات، وللتاريخ، وللبنية التي بناها بيديه. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل توصيف سوسيولوجي دقيق: الموقع الرمزي يحدد سقف النقد، مهما بلغت شجاعة صاحبه.

في المقابل، كان المحبوب عبد السلام في موقع مختلف تمامًا. ابن المشروع، لا مؤسسه. مشارك في الدفاع عنه زمن القوة، ثم ناقد له زمن الانهيار. هذا الموقع منحه هامش حركة أوسع، وحرره نسبيًا من ثقل الرمز، ومكّنه من الذهاب أبعد في طرح الأسئلة، دون أن ينهار تاريخه الشخصي أو تتصدع شرعيته بالكامل. هذا التفريق، كما يقدّمه المقال، مهم وصحيح، ويشبه ما نراه في تجارب فكرية عالمية كثيرة: المؤسس نادرًا ما يقتل فكرته، بينما يتولى التلاميذ المتأخرون هذه المهمة حين ينسد الأفق.

كذلك يُحسن المقال التمييز بين نوعين من النقد: نقد إصلاحي ونقد تفكيكي.

نقد الترابي، حتى بعد المفاصلة، ظل يدور في إطار المراجعة من الداخل: انحراف في التطبيق، فساد في الحكم، سوء استخدام للسلطة. أما نقد المحبوب، فقد اتجه إلى مساءلة الفكرة نفسها، والسردية التي قامت عليها، وثقافة التنظيم، وطريقة تصور العلاقة بين الدين والسلطة. هذا فرق جوهري، لا في القيمة ولا في المقام، بل في طبيعة الأسئلة المطروحة.

واللافت أن الكاتب لا يبرّئ المحبوب بالكامل، بل يلمّح – بوعي – إلى أن من ساهم في صناعة الهالة حول الترابي لا يمكن أن يتفاجأ حين ترتد عليه هذه الهالة. هذا الاعتراف نادر في نقاشات الحركة الإسلامية، ويُحسب له، لأنه يكسر ثنائية الضحية والجلاد، ويعيد الجميع إلى دائرة المسؤولية التاريخية.

لكن، مع ذلك، ثمة حدود في هذا الطرح تستحق التوقف، لا لنقضه، بل لتعميقه.

اختزال محدودية نقد الترابي في كونه “محكومًا بالموقع” وحده يظل تفسيرًا جزئيًا. فالترابي لم يكن فقط مقيّدًا بإرثه، بل كان – حتى النهاية – مؤمنًا بإمكانية إنقاذ المشروع من داخله. عدم ذهابه إلى التفكيك الجذري لم يكن عجزًا فقط، بل خيارًا فكريًا واعيًا، نابعًا من قناعة بأن الإصلاح ممكن، وأن الفكرة لا تزال قابلة للحياة. هذا البعد مهم، لأنه يخرج النقاش من ثنائية الشجاعة والجبن إلى مساحة أوسع تتعلق بتصور التاريخ ذاته.

في المقابل، تصوير نقد المحبوب بوصفه نقدًا حرًا بلا حسابات يحتاج إلى بعض التحفظ.

المحبوب كتب في لحظة انهيار المشروع، وفي زمن تراجع الإسلام السياسي إقليميًا وعالميًا، وفي سياق انسداد كامل للأفق القديم. نقده – مهما بلغ من صدق وشجاعة – كان أيضًا استجابة تاريخية لهذا الانسداد، ومحاولة لإعادة التموضع، أو لإعادة تعريف الذات بعد سقوط السردية الكبرى. هذا لا ينتقص منه، لكنه يمنع تحويله إلى ناقد خارج الزمن، أو إلى وعيٍ طليق لا تحكمه الشروط.

ثم يظل السؤال الغائب، والأكثر إيلامًا: ماذا بعد التفكيك؟

هل قدّم نقد المحبوب بديلًا متماسكًا؟

أم اكتفى بتشخيص الانهيار؟

وهل كان التفكيك فعل تحرر، أم محاولة متأخرة لإنقاذ مشروع لم يعد قابلًا للبعث؟

هنا، يتجاوز النقاش شخصي الترابي والمحبوب، ليصبح سؤالًا بنيويًا أوسع عن مصير المشاريع الأيديولوجية المغلقة حين تنهار. المؤسس لا يستطيع قتل فكرته، والتلميذ المتأخر يضطر أحيانًا إلى تمزيقها كي يتنفس، وكلاهما يتحرك داخل الجرح نفسه، وإن اختلفت لغتهما.

من هذه الزاوية، ربما لم “يسبق” المحبوب الترابي بقدر ما وصل إلى نقطة لم يعد الترابي قادرًا – أو راغبًا – في الوصول إليها.

وهذا لا يقلل من أحد، بل يضعهما داخل سياق تاريخي واحد، لا داخل مفاضلة أخلاقية.

قيمة هذا المقال، في النهاية، أنه يدرّب القارئ على التفكير في الأفكار لا في الأشخاص، وفي المواقع لا في النوايا، وفي التاريخ لا في القداسة.

وهو يفتح بابًا مهمًا لنقاش أعمق:

هل يمكن لأي مشروع شمولي أن ينتج نقدًا جذريًا من داخله؟

متى يتحول النقد من إصلاح إلى تفكيك؟

وهل التفكيك، دائمًا، بداية جديدة… أم أحيانًا إعلان نهاية؟

هذه أسئلة لا تخص الحركة الإسلامية وحدها، بل كل مشروع كبير حين يصل إلى لحظة الحساب.

ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع من الكتابة: لا لأنه يملك الإجابات، بل لأنه يجرؤ على الاقتراب من الأسئلة الصعبة دون شتيمة، ودون تبسيط، ودون خوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى