“هل حانت اللحظة الحاسمة”: (3-4)

حوارات مع القراء
التيجاني عبد القادر حامد
8 يناير 2026
لا يوجد من الباحثين الذين يعتد بهم في حقول التاريخ والسياسة والفلسفة من لا يدرك أن الدراسات المقارنة ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي ذات فائدة علمية كبيرة. إنها تمكننا أن ندرك ما إذا كانت الظاهرة (أ)- مثلاً- خاصية من خصوصيات مجتمع ما، ولا يمكن أن تتعدى إلى غيره، أم إنها جزء من ظاهرة أكثر عموماً. وبما أن الباحث لا يستطيع الإحاطة الكاملة بالمجتمع ليقوم بفحصه وتحليله، فهو يلجأ أحياناً إلى ما يعرف ب”دراسة الحالة” (case study)، والتي تعد واحدة من الأدوات التي تستخدم في المقارنة السياسية، وقد اعتمدت عليها في دراسة حالة السقوط الفرنسي في الحرب العالمية الثانية.
وفى هذا النوع من الدراسات لا يتجه الباحث لإجراء مقارنة معملية بين أساليب القط الكندي والقط اليوغندي (كما أشرت في 2-4 سابقاً)، وإنما يتجه لاختبار افتراض (أو نظرية) من خلال التركيز على حالة واحدة وفحصها بطريقة متعمقة-كما فعلنا في حالة الحرب العالمية الثانية. فإذا افترض الباحث مثلاً أن وجود ظاهرة (أ) في مجتمع ما يأتي مقترناً مع وجود ظاهرة (ب)، فسيكون في إمكانه اختبار هذه الفرضية في مجتمعات أخرى بأن يبحث عن حالة توجد فيها (أ) مع غياب (ب). فإذا وجدت مثل هذه الحالة فان عليه إما أن يتخلى عن افتراضه أو يعدله ليعيد اجراء الاختبار عليه مرة أخرى. أما إذا لم توجد مثل هذه الظاهرة فان ذلك سيعزز صدقية الافتراض-ولو بصورة مؤقته. وبهذه الطريقة يتحول “التحليل السياسي” من مجال المغالطات الكلامية والمبارزات اللفظية الى مجال الأبحاث المنهجية.
والافتراض الذي سرت عليه في المقال هو: (أ) أن الهزيمة التي تُمنى بها مؤسسة عسكرية نظامية في مجتمع ما (أيما كانت الأسباب) قد تؤدى إلى انهيار الدولة أو إلى حدوث فراغ كبير في رأس الهرم السلطوي في ذلك المجتمع؛ (ب) وأن ذلك الانهيار قد يترتب عليه انقسام في المؤسسة العسكرية نفسها (حيث يستسلم جزء منها ويخضع إلى القوى المنتصرة، بينما يرفض بعض منها الاستسلام ويتحول (بما تبقى له من قدرات) إلى فصائل (أو مليشيات) تواصل المقاومة العسكرية. فالاهتمام في المقال لم يكن منصباً على انتصار المانيا وسقوط باريس وحسب، وإنما كان القصد أن يستخدم “سقوط الدولة الفرنسية” وما ترتب عليه “كحالة” تخضع لفحص متعمق، ثم يُجرى على أساسها اختبار الافتراض الذي أشرت إليه.
ألمحت في المقال أن “حالة سقوط الدولة الفرنسية” تؤكد السيناريو الافتراضي بصورة كبيرة. فالمؤسسة العسكرية النظامية قد انهارت تماماً أمام القوات الألمانية؛ وترتب على ذلك أن سقطت الدولة الفرنسية؛ وترتب على ذلك أن انقسمت المؤسسة العسكرية إلى فريق خاضع للنظام الجديد، وفريق رافض للاستسلام؛ وترتب على ذلك أن بزغت مرحلة جديدة من الاضطراب والفوضى في الساحة الفرنسية، تميزت بصراع داخلي شرس بين معسكر الاستسلام ومعسكر المقاومة، وبظهور جبهات كثيرة للقتال، وتدخلات خارجية تهدف جميعها لملأ الفراغ في رأس الهرم السلطوي. والخطورة في مثل هذه الحالة لا تعود الى انتقال سلس من سلطة إلى أخرى، إنما تعود لحرب أهلية ضارية واقتتال شرس على السلطة يهددان سلامة المجتمعات المحلية والأقاليم المحيطة بها.
وأشرت في المقال إلى أن “حرب السودان” ستسير في هذا الاتجاه في حالة أن تفقد القوات المسلحة العتاد والحليف، ويميل ميزان القوة نحو قوات الدعم السريع، فتتمكن-لا سمح الله- من استكمال السيطرة على ولاية كردفان والتوجه إلى الخرطوم شمالاَ ثم إلى البحر الأحمر شرقاً- مع ما يترتب على ذلك من اضطراب كبير في الداخل السوداني والمحيط الإقليمي (خاصة مصر والسعودية وربما اثيوبيا واريتريا وغيرها).
وندرك أن هذا الافتراض قد لا يتحقق بكل حذافيره في الحالة السودانية لأنه “مشروط” بحيثيات أخرى لا يمكن التحقق منها. ومع ذلك فقد يكون من المفيد الاستئناس بحالات عديدة وقعت في محيطنا الأفريقي وتؤكد صحة هذا الافتراض بنسب متفاوتة. فقد انهارت-على سبيل المثال- المؤسسة العسكرية الصومالية أمام قوات التحالف السوفيتي-الأثيوبي-الكوبي(1978)، فانقلب الناجون من ضباطها على رئاسة الدولة (سياد برى)، ونشبت المعارك الداخلية الضارية بين الموالين للرئاسة والمنقلبين عليها، ففر أحدهم (العقيد عبد الله يوسف) إلى كينيا ثم إلى أثيوبيا ليكون “جبهة الإنقاذ الديموقراطية الصومالية-1979″، وليخرج ثوار في إقليم صومالي لاند ليكونوا “الحركة الوطنية الصومالية”؛ ولتتحول المعارضات السياسية-العسكرية إلى جبهات قبلية مسلحة؛ ولتتلاشى الدولة المركزية في الصومال (1991)؛ وليترتب على ذلك حدوث فراغ وفوضى عارمة، ثم تتحول بقايا المؤسسة العسكرية الى مليشيات مسلحة ومتقاتلة على أساس عرقي ومناطقي، وتقسمت البلاد الى مناطق نفوذ لأمراء الحرب، واحتاجت الصومال إلى ثلاثين عاما لتشهد نوعاً من التعافي.
وعلى المنوال ذاته انهارت المؤسسة العسكرية في ليبيا (أمام الضربات الجوية من قوات حلف شمال الأطلسي، أكتوبر 2011) وانهارت معها الدولة المركزية، ودخلت بقايا المؤسسة العسكرية النظامية إلى فصائل تتقاتل مع بعضها البعض، وانقسمت البلاد نفسها إلى تحالفات قبلية ومناطقية تتقاتل مع بعضها البعض- فتحالفت قبائل المنطقة الشرقية مع وحدات عسكرية بقيادة العقيد حفتر، (لتجد دعما خارجياً من الامارات ومصر)، وتحالفت تشكيلات عسكرية في مصراته (غرب ليبيا). وحدث مثل هذا الانهيار في العراق وفى اليمن، حيث انهارت القوات المسلحة ومعها دولة على عبد صالح، وانقسمت بقايا المؤسسة العسكرية الى فصائل متقاتلة إلى يومنا هذا. فهذه وكثير غيرها أمثلة تدعم الافتراض على نحو كبير.
فهذه الحالات وغيرها تسير في اتجاه تأييد السيناريو الافتراضي بصورة واضحة، ولكن ألا يمكن أن نجد ما يسمى في الأدبيات “بحالة حرجة” ( critical case) تناقض الافتراض وتقف شاهداً على تكذيبه وتدعو إلى التخلي عنه أو تعديله؟ نعم قد توجد مثل هذه الحالة، وهي ضرورية لسلامة نتائج البحث. وتبرز أمامنا-قبل الفراغ من كتابة هذا المقال- “حالة فنزويلا” الراهنة؛ حيث قامت الولايات المتحدة (إدارة الرئيس ترامب) بمهاجمة فنزويلا براً وبحراً وجواً، واختطفت رئيسها (مادورو) لمحاكمته في نيويورك (3 يناير 2026)- مع عجز كامل للمؤسسة العسكرية الفنزويلية. فاذا كان السيناريو الافتراضي الذي نسير عليه صائباً فنتوقع أن يحدث انشقاق في رأس الهرم القيادي (العسكري-السياسي) في فنزويلا بين المستسلمين للوضع الجديد والرافضين له؛ وأن يتحول الرافضون (أي بقايا المؤسسة العسكرية) إلى واحدة من دول الجوار، وأن تدخل البلاد في دوامة من الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية (كما حدث في الحالة الصومالية والليبية والعراقية واليمنية وغيرها).
أما إذا لم يحدث شيء من هذا على الاطلاق، واستطاع الهرم الأعلى في السلطة أن يتفادى التفكك والانهيار وأن يحتفظ بتماسكه، وأن يوقع على وثيقة الاستسلام مع الولايات المتحدة، وأن تخلو الساحة الفنزويلية من أي نوع من المعارضة للوضع الجديد، فسنكون قد عثرنا على “الحالة الحرجة” التي تكذب افتراضنا. وسيتوجب علينا أن نقبل التحدي الذي يفرضه الواقع فنعدل افتراضنا أو نتخلى عنهً. وهذه واحدة من الحالات التي تصطدم فيها النظرية بالواقع فتتولد عن ذلك التصادم معارف جديدة. وهي واحدة أيضاً من فوائد “دراسة الحالة”. ولكن دعنا ننتظر لنرى في أي اتجاه تسير الأحداث في الأيام والأسابيع القليلة القادمة- سواء في السودان أو في فنزويلا.

Exit mobile version