“هل حانت اللحظة الحاسمة”: (2-4)

حوارات مع القراء
التيجاني عبد القادر حامد
أما وقد أوضحنا بصورة عامة هدف المقال (1-4)، وأن محل المقارنة هو الرؤى الاستراتيجية وليس الهياكل الدستورية أو التطور التقني، فيبقى أمامنا أن نتعرض بشيء من التفصيل لواحد من الاعتراضات أوردها بعض القراء وظلت تتكرر في تعليقاتهم وهي أنه لا وجه للمقارنة البتة بين وقائع الحرب العالمية الثانية والحرب الدائرة الآن في السودان. ودليلهم هو أن الحرب العالمية الثانية كانت بين دول ذات مؤسسات وتقاليد راسخة، بينما حرب السودان حرب داخلية لا وجود فيها للدول. وهذا-بتقديري- قول فطير وضعيف من ناحيتين: ناحية تتعلق بتجاهل حقائق الحرب على الأرض وبتطوراتها وتحديد الفاعلين الدوليين المنخرطين فيها؛ وناحية تتعلق بتجاهل منهجية المقارنة التاريخية والتحليل السياسي.
فمن حيث الوقائع على الأرض لابد لنا أن نتساءل: أصحيح أن الحرب الدائرة الان في السودان هي مجرد صراع محلى بين قوى محلية ولا وجود فيه لقوى دولية؟ دعنا نسلم-تجنباً للمغالطة-أن الحرب بدأت حرباً داخلية بين القوات المسلحة والقوات المتمردة، فهل ينفى هذا أن طبيعتها ومساراتها قد تغيرت (لأسباب عديدة)، فصارت حربا إقليمية-دولية بامتياز؟ وهل ينفى هذا أن دولاً عديدة قد انخرطت فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ ألم يتأكد لكل المراقبين والمهتمين بشأن الحرب أن قوات الدعم السريع قد صارت أداة عسكرية تخوض حربا بالوكالة لدولة إقليمية معروفة (ومن خلفها دولة أخرى)، وأنها تتلقى امداداً عسكرياً (يتضمن أجهزة قتالية متطورة) عبر الحدود الليبية والتشادية وبتوافق تام مع الحاكمين في هذه الدول؟ ألم يصبح معلوماً للكافة أن ضباطاً وخبراء عسكريون (من دول شتى) قد انضموا الى قوات الدعم السريع، وفيهم مختصون في التخطيط العملياتي والتدريب وتشغيل المدفعية والطائرات الاستراتيجية المسيرة؟ ألم يرد ويتكرر في تقارير الصحف العالمية (الغارديان مثالاً) أن شركات مسجلة في بعض الدول الكبرى (بريطانيا مثلاً) تقوم بتجنيد مرتزقة (من كولمبيا) للقتال في السودان الى جانب قوات الدعم السريع، وأن قوات الدعم السريع تملك معدات عسكرية بريطانية، وأن وثائق رفعت الى مجلس الأمن تشير إلى العثور على أنظمة تدريب على الأسلحة جرى تصنيعها في (ويلز)، إلى جانب محركات بريطانية استخدمت في آليات مدرعة إماراتية من طراز (نمر أج بان)؟ ألم تواصل بعض الدول (بريطانيا مثلاً) منح “تراخيص مفتوحة” تتيح لدولة معروفة تصدير الأسلحة والمعدات دون قيود على جهة الاستخدام النهائي-رغم حظر الأمم المتحدة لتوريد السلاح الى أطراف النزاع في السودان؟ ألم يغرد الرئيس الكولمبي (غوستاف بيترو) مخاطباً شعبه: أيها الشباب من الجنود والضباط السابقين لا تبيعوا أنفسكم، لا تموتوا في حروب الآخرين).
أما الخطأ الثاني فيتعلق بتجاهل منهجية المقارنة التاريخية. إذ يظن بعض القراء المتعجلين أن المقارنة التاريخية تعنى “المطابقة”، فلا تنعقد إلا بين واقعتين متطابقتين تماماً-كوقع الحافر على الحافر. ومثل هذه المقارنات قد تكون ميسورة في التجارب المعملية، حيث يأتي باحث-على سبيل المثال- بقط من كندا وبقط آخر من يوغندا، ويقوم بمراقبتهما لمدة طويلة في داخل المعمل، ثم يقرر-بثقة عالية- أنهما يتشابهان تماماً في طريقة مخادعة الفئران لاصطيادها. أما في العلوم الاجتماعية والإنسانية فلا توجد إمكانية لمثل هذه المقارنات المعملية. فلا يستطيع باحث في السياسة أن يقول-بثقة-أن هناك تطابقاً كاملا بين القادة الكنديين واليوغنديين في طريقة “اصطياد” الناخبين، أو فيما يستخدمون من نظم وتقنيات للخداع. مما يعنى أنه لا توجد تجربة سياسية أو معركة عسكرية يمكن تعميمها ونقلها بحذافيرها من مجتمع لآخر. فاذا وقعت حرب بين فرنسا وألمانيا فلا يمكن مطابقتها بكل تفاصيلها مع حروب أخرى تقع في أفريقيا-مثلاً، لأن لكل من تلك المجتمعات “خصوصياتها” وسياقاتها المتباينة. فهذا أمر لا ينبغي أن نتغالط فيه أو نتعارك.
ولكن إذا جعلنا “الخصوصيات” وحدها هي محط أنظارنا وتحاشينا الكليات، أو إن ركزنا على الأشكال والصور وتجاهلنا المفاهيم الكبرى والمعاني الكلية، فلن تبقى هناك فائدة لدراسة التاريخ الانساني، ولن يكون هناك موضع “للاعتبار”، ولن يكون في مقدور شعب أن يستفيد من أخطاء شعب سابق أو من إنجازاته، لأن كل شعب سيكون-حينئذ-مغلقاً في ظروفه المحلية وسياقاته الخاصة، فيقع الباحث في وهم الخصوصيات المطلقة والمجتمعات المغلقة، كما حدث للكثيرين إبان الثورات العربية الأخيرة (2011). فمن منا لا يذكر أنه حينما سقط النظام في تونس صار كل فصيل في العالم العربي يقول إن “نظامنا” لا يشبه الحالة التونسية؛ وما أن سقط النظام في مصر بعد مدة قصيرة إلا وقد برز من يقول إن الحالة المصرية حالة
“خاصة”، ثم توالت السقطات حتى تساقطت معظم النظم العربية-من تونس الى مصر الى ليبيا الى اليمن والسودان وسوريا. مما يعنى أن أكثرنا يستمسك بمقولة “الخصوصيات المطلقة”، فيردد مع العوام مقولة “أنه لا وجه للمقارنة” بين التجارب السياسية، دون أن يكون على اطلاع كاف على “منهجية المقارنة التاريخية”، ودون إدراك كاف لأهميتها وعلاقتها باستشراف الاحتمالات والخيارات السياسية.
ومنهج المقارنة التاريخية والسياسية الذي سرت عليه في المقال لم يكن من اختراعي، وإنما هو منهج معروف أقوم بتدريسه للطلاب في مساقات العلوم السياسية (السياسة المقارنة)-مثل غيرى من الزملاء الأساتذة. وهو منهج وضع أساسه ووطد أركانه فلاسفة كبار في فلسفة السياسة والتاريخ، وظل الباحثون يتقدمون فيه ويتأخرون. فتجد ابن خلدون مثلاً “يقارن” بين العديد من المجتمعات السياسية-ليس من حيث الصور المحسوسة والمنظورة (التي لا تنفك عن سياقاتها الخاصة)، وإنما من حيث مفاهيم عامة ينحتها من عنده نحتاً (مثل مفاهيم العصبية والترف والهرم) ليتخذها أدوات تحليلية، وليتمكن من خلالها أن “يقارن” في براعة فائقة بين دولة بنى أمية وبنى العباس في المشرق، ودولة الأدارسة والموحدين في المغرب، ودول وممالك أخرى في مشارق الأرض ومغاربها-رغم ما بين تلك الممالك من تباعد في الزمان والمكان، واختلاف في السياقات الاجتماعية والسياسية. وتجد المؤرخ البريطاني الشهير-آرنولد توينبى- يسير على خطى ابن خلدون، فيستطيع من خلال مفاهيم التحدي والاستجابة والأقلية الخلاقة أن يعقد مقارنات (عابرة للزمان والمكان) بين أكثر من عشرين حضارة-من الفينيقية والأشورية الإغريقية والرومانية الى الإسلامية إلى الحضارة الغربية المعاصرة. فلم يعترض عليه أحد من جهة انه لا توجد علاقة البتة بين معالم التصدع في الدولة الرومانية القديمة-مثلا- والدولة الغربية الحديثة- رغم ما هناك من تباعد في الأزمان واختلاف في السياقات والظروف. وفائدة مثل هذه الدراسات التاريخية المقارنة أنها تمكننا أن ندرك ما إذا كانت الظاهرة (أ) هي خاصية من خصوصيات مجتمع ما، ولا يمكن أن تتعدى إلى غيره، أم إنها جزء من ظاهرة أكثر عموماً.
وإذا شئنا أن نسير على هذا المنوال، فمن المحتمل أن نجد وجهاً ثانياً وثالثاً للمقارنة بين حالة الحرب العالمية الثانية وحروب أخرى (ومن بينها حرب السودان). وذلك كأن نسلط الأضواء على مفاهيم “النقاء العرقي” و”الفصل العنصري” و”التمييز الممنهج” و”الابادة الجماعية” لنجد الطريق سالكاً لمقارنة سلوك الحركة القومية النازية الألمانية (إبان الحرب العالمية الثانية) بسلوك غيرها من الحركات. فمن الممكن أن يقودنا منهج المقارنة لأن نرى أن التمسك بمثل هذه المفاهيم ليس خاصية من خصوصيات الجنس الألماني (يعود إلى السياق الألماني في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وحسب)، وإنما هو “نزعة” أكثر عموماً، ويمكن أن تطغى على الجنس الألماني كما يمكن أن تطغى على غيره من الأجناس. فيمكننا أن نستنبط-وفق هذا المنهج- أن سياسة الفصل العنصري (الأبربتايد) في جنوب افريقيا، والابادة العنصرية الجماعية التي مارسها الهوتو في راوندا، واتبعها الصرب في يوغوسلافيا، ومليشيا الجنجويد في دارفور، هي تكرار للنزعة النازية ذاتها. فهذا بتقديري أقرب للصواب من القول بإنه لا علاقة البتة بين هذا وذلك لأن الطريقة التي اتبعها النازيون الألمان في إبادة اليهود كانت أكثر دقة، أو أن اليهود كانوا أكثر سوءاً؛ أو لأن الحزب النازي لا يمكن أن يقارن-في دقة التنظيم- مع الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا؛ أو أن يهود ألمانيا لا يشبهون أفارقة جنوب أفريقيا، أو أن ما تعرض له المساليت في زالنجي والزغاة في معسكر زمزم (وغيرهم) من تطهير عرقي وقتل جماعي على أيدي الجنجويد يمثل حالات خاصة لا وجه للمقارنة بينها وبين ما وقع على قبائل التوتسي-لأن هؤلاء قتلوا بالسلاح الناري بينما قتل أولئك بالسواطير والسكاكين!
للكشف عما في مثل هذه “الخصوصيات” المزعومة من زيف، ولردها لحجمها الحقيقي سنحتاج بلا ريب إلى منهج مقارنة لا تُغيّب فيه الكليات الإنسانية العامة لصالح الخصوصيات المغلقة. نواصل.



