هل تنتج الحرب ناخبًا يُقدِّم الهُويَّة على البرنامج؟
Mazin
خالد محمد أحمد
من عادتي أنني كلَّما آويتُ إلى فراشي واستسلمتُ لهدوء الليل، أترك للخواطر مجالًا لتتداعى إليَّ من حيث لا أحتسب. وكثيرًا ما أجدني أتناول هاتفي المحمول على عجلٍ لألتقطها قبل أن تفلت، على أمل أن أعود إليها لاحقًا لأصوغها في كلماتٍ، أو أحوِّلها إلى مقالاتٍ.
هذه المرَّة، وجدتُني أتخيَّل بتفاؤلٍ أن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن البلاد قد عبرت مرحلةً انتقالية، ثم مضت إلى صناديق الاقتراع لتختار مستقبلها.
لكن ما إن اكتمل هذا المشهد في مخيِّلتي حتى تدافعت الأسئلة.
على أيِّ أساسٍ سيُصوِّت السودانيون؟
هل سيمنح الناخب صوته لمن يحمل برنامجًا اقتصاديًّا أكثر إقناعًا، أو رؤيةً أوضح للتعليم والصحة وبناء الدولة؟
أم أن الفيصل سيكون الانتماء الإثني أو الجهوي بحيث تصبح الهُويَّة هي التي تحسم الاختيار قبل أن تُفتَح البرامج الانتخابية، وقبل أن تجد الأفكار سبيلها إلى النقاش؟
في الأصل، تُنشأ الأحزاب السياسية لتكون أوعيةً للأفكار؛ إذْ يجتمع تحت مِظلَّة الحزب الواحد أفرادٌ ينتمون إلى أعراقٍ وأقاليم وخلفياتٍ اجتماعية متباينة، لأن ما يجمعهم هو رؤيةٌ مشتركة للدولة، وتوافقٌ بشأن الاقتصاد والدستور والحريات والسياسة الخارجية وسائر القضايا العامة.
غير أن هذه الفلسفة تتآكل عندما يتراجع سلطان الفكرة ويتقدَّم الانتماء، وتُفسح الأيديولوجيا المجال للهُويَّة. فعندئذٍ يتحوَّل الحزب إلى وعاءٍ لجماعةٍ اجتماعية أو إثنية أو جهوية.
على أن الإشكال ليس في حضور الهُويَّة في المجال السياسي؛ فكلُّ المجتمعات تحمل هُويَّات متعدِّدة، وإنما يبدأ الخلل عندما تصبح الهُويَّة بديلًا عن المشروع السياسي، وحين يحلُّ الانتماء محلَّ النقاش بشأن شكل الدولة ومستقبلها.
وممَّا يبعث على القلق أن هذا هو الاتجاه الذي قد تُرجِّحه ظروف ما بعد الحرب الحالية، التي أحدثت تحوُّلًا يتجاوز إعادة رسم موازين القوى العسكرية، إذْ أعادت تشكيل الخريطة الاجتماعية والسياسية، وأفرزت اصطفافاتٍ جديدة، ورسَّخت صورًا ذهنيةً متبادلة بين مكوِّنات المجتمع.
ولتقريب هذه الفكرة، قد يكون من المفيد النظر إلى تجربةٍ تبدو بعيدةً جغرافيًّا ومختلفةً سياقيًّا، لكنها تكشف أن حسابات النُّخب السياسية ليست بالضرورة هي حسابات القواعد الشعبية.
ففي بريطانيا، على سبيل المثال، أظهرت انتخابات قيادة حزب المحافظين عام 2022 هذا التباين بوضوحٍ؛ إذْ تصدَّر ريشي سوناك جميع جولات التصويت بين نواب الحزب، لكن قواعد الحزب رجَّحت في الجولة النهائية كفَّة ليز تراس. ولم يصل سوناك إلى رئاسة الوزراء إلا لاحقًا بعد انهيار حكومة تراس حين اختار حزب المحافظين تجنُّب إعادة العملية إلى قواعد الحزب، وانتقل الاختيار إلى النواب في ظلِّ ظرفٍ سياسي مختلف.
ليس المقصود من هذا المثال القول إن قواعد حزب المحافظين اختارت على أساسٍ هُويَّاتي؛ فهذا أمرٌ لا يمكن إثباته، كما أن انتخاب كيمي بادينوك لاحقًا عبر القواعد الحزبية نفسها يشير إلى أن خيارات الناخبين لا يمكن اختزالها في عاملٍ واحد. وإنما المقصود هو إبراز حقيقةٍ أوسع، وهي أن حسابات القواعد الشعبية قد تختلف عن حسابات النُّخب، وأن الناخبين قد يوازنون بين عوامل متعدِّدة تختلف باختلاف الظرف السياسي والاجتماعي.
قد تكون النُّخب السياسية السودانية أكثر استعدادًا للتعامل ببراغماتيةٍ مع نتائج الانتخابات حتى لو أفرزت رئيسًا من خارج الدائرة التقليدية للحكم؛ لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل سيكون الناخب العادي مستعدًّا لذلك؟ أم أن جراح الحرب وما خلَّفته من استقطابٍ وذكرياتٍ مؤلمة ستدفعه إلى التصويت انطلاقًا من الهُويَّة قبل البرنامج، ومن الانتماء قبل الكفاءة؟
وإذا كان اختلاف حسابات النُّخب والقواعد الشعبية ممكنًا في ديمقراطيةٍ عريقةٍ ومتجذِّرةٍ مثل بريطانيا، فكيف يكون الحال في دولةٍ خرجت لتوِّها من حربٍ لن تعود منها كما كانت قبلها؟ فالحرب لم تُغيِّر موازين القوى فحسب، بل تركت آثارًا عميقةً في النسيج النفسي والاجتماعي للسودانيين؛ إذْ عمَّقت الانقسامات الجهوية والإثنية، وأضعفت الثقة بين مكوِّنات المجتمع، ورسَّخت تصوُّراتٍ متبادلة قد تمتدُّ آثارها إلى السلوك الانتخابي.
ولعلَّ ذلك يُفسِّر كيف يمكن للحرب أن تُنتج ناخبًا ذا أولوياتٍ مختلفة، تتغيَّر معايير اختياره السياسي؛ فالناخب الذي عاش تجربة نزوحٍ أو فقدَ قريبًا، أو ترسَّخت في ذاكرته صورُ العنف والاستهداف، قد يُصبح أكثر ميلًا إلى البحث عمَّن يراه أقرب إلى هُويَّته وأكثر قدرةً على حمايتها، حتى وإن كان برنامجه السياسي أقلَّ إقناعًا. وهكذا تتحوَّل التجربة الشخصية إلى معيارٍ سياسي، وتصبح الهُويَّة اختصارًا للثقة في مجتمعٍ لم تلتئم جراحه بعد.
ومع ذلك، شهد السودان قبل هذه الحرب لحظاتٍ بدا فيها أن المشروع الوطني قادرٌ، ولو جزئيًّا، على تجاوز الانقسامات التقليدية، وأن الفكرة يمكن أن تتقدَّم على الهُويَّة في تشكيل المزاج السياسي. ولعلَّ تجربة الراحل جون قرنق خيرُ شاهدٍ على ذلك؛ إذْ طرَح مشروعًا سياسيًّا ذا طابعٍ وطني سعى، على الأقلّ في خطابه السياسي، إلى تجاوز الانقسامات الجهوية والإثنية، ودفع قطاعاتٍ ممَّن كانوا يتحفَّظون على مشروعه إلى إعادة النظر في موقفهم منه، فهو لم يُقدِّم نفسه ممثلًا للجنوب في مواجهة الشمال، بل قائدًا لمشروعٍ يخاطب السودان كلَّه من خلال فكرة “السودان الجديد” القائمة على المواطنة والدولة المدنية والوحدة الطوعية. ولذلك، لم يقتصر حضوره السياسي على قواعد الحركة الشعبية، بل امتدَّ ولو على المستوى العاطفي إلى قطاعاتٍ مُعتبرة في شمال السودان رأت فيه شخصيةً وطنيةً تسعى إلى مخاطبة السودانيين جميعًا رغم قيادته حركةً خاضت حربًا طويلة ضدَّ الدولة. ولعلَّ الاستقبال الشعبي غير المسبوق الذي حظي به في الخرطوم عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 كان في نظر كثيرين أوضح تعبيرٍ عن قدرة المشروع الوطني في تلك اللحظة على تجاوز جانبٍ من الانقسامات التي خلَّفتها الحرب.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما كان ممكنًا عام 2005 لا يزال ممكنًا بعد حرب 2023؟ أم أن هذه الحرب من نوعٍ مختلف إلى درجةٍ أعادت تشكيل المجتمع السوداني على نحوٍ جعل الهُويَّة تتقدَّم على المشروع الوطني، والانتماء يطغى على الفكرة؟
وفيما أرى، يبدو الواقع مختلفًا؛ إذْ خلَّفت هذه الحرب ذاكرةً جماعيةً مُثقلةً بصور القتل والنهب والتهجير والانتهاكات، ثم جاءت الخطابات التي غذَّت النعرات الإثنية والجهوية لتُعمِّق هذا التباعد وتُرسِّخ تلك الصور في الوعي العام. ومن الراجح أن ينعكس ذلك على السلوك الانتخابي لزمنٍ ليس بالقصير؛ لأن الناخب لا يُدلِي بصوته استنادًا إلى الوقائع المجرَّدة وحدها، بل إلى الذاكرة التي صاغتها التجربة والثقة التي فُقِدت أو أُعيد بناؤها عبر الزمن.
ولذلك، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام السودان بعد الحرب هو تنظيم انتخاباتٍ نزيهة فحسب، بل إعادة بناء السياسة نفسها، واستعادة الأحزاب دورها الطبيعي كمشروعاتٍ سياسية جامعةٍ للسودانيين على اختلاف هُويَّاتهم، بدلًا من تحوُّلها إلى امتداداتٍ لجماعاتٍ إثنيةٍ وجهوية بحيث تصبح الانتخابات أقرب إلى إحصاءٍ ديموغرافي منها إلى منافسةٍ بين الأفكار والبرامج.