هل تقترب إثيوبيا من حرب جديدة… وهل يصبح السودان ساحة لتداعياتها؟

عاد شبح الحرب ليطل من جديد على إثيوبيا، لكن المشهد هذه المرة لا يشبه تماما الحرب التي اندلعت عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وانتهت بعد عامين باتفاق بريتوريا، فالمعادلات تغيرت، والتحالفات اتسعت، والصراع لم يعد محصورا في جبهة واحدة، بينما تأتي التطورات الجديدة في منطقة تعاني أصلا من أزمات متداخلة تجعل أي تصعيد قابلا للتمدد خارج حدوده المحلية.

طبول الحرب
وتداولت الأنباء اليوم الأربعاء سيطرة قوات جبهة تحرير شعب تيغراي على مطار “ألولا أبا نيغا” في ميكيلي، عاصمة الإقليم، بالتزامن مع تجدد الاشتباكات مع القوات الفيدرالية في مناطق بإقليم عفر المجاور، وأفادت مصادر أمنية ومحلية، وفق وسائل إعلام، بسيطرة قوات تيغراي على مطار ميكيلي، فيما أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى مطارات ميكيلي وأكسوم وشير بسبب الوضع الأمني، كما تحدثت مصادر عن سيطرة قوات تيغراي على مطارات أخرى في الإقليم. لكن أهمية التطور لا تقف عند حدود مطار أو مدينة، وإنما في توقيته وسياقه السياسي والعسكري، فقد جاءت التحركات بعد أيام قليلة من إعلان تحالف مسلح جديد يضم سبع جماعات إثيوبية معارضة للحكومة، في خطوة تنقل المشهد من تعدد بؤر التمرد إلى محاولة جمع قوى مسلحة تنتمي إلى أقاليم مختلفة تحت مظلة واحدة، ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، والحركة الوطنية لفانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، وجبهة عفار الثورية الديمقراطية المتحدة، وحركة تحرير شعوب بني شنقول، وحركة شعوب غوموز الديمقراطية، وأعلن أعضاؤه توحدهم في مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد والسعي إلى تشكيل إدارة انتقالية.

المعادلة أوسع
وهنا تبدو المفارقة الأبرز في المشهد الجديد، فالقوى التي يجمعها التحالف لم تكن جميعها على جبهة واحدة خلال الحرب السابقة، وبعضها خاض مواجهات مختلفة مع الحكومة أو مع أطراف أخرى، فيما كانت تيغراي نفسها في قلب الحرب التي أعادت رسم موازين القوى في إثيوبيا والمنطقة، وبالتالي، فإن التحرك الحالي لقوات تيغراي لا يمكن فصله عن محاولة بناء معادلة أوسع للصراع، والسيطرة على مركز حيوي مثل مطار ميكيلي، إذا استقرت ميدانيا، تمنح قوات الإقليم قيمة عسكرية ورمزية في آن واحد، خصوصا مع تزامنها مع تحركات في عفر وظهور تحالف مسلح يمتد جغرافيا إلى ما وراء تيغراي. المشهد هنا مختلف عن عام 2020 أيضا من زاوية أخرى، ففي الحرب السابقة كانت خطوط المواجهة الرئيسية أكثر وضوحا بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي، قبل أن تتسع الحرب وتدخل فيها أطراف إثيوبية وإقليمية متعددة، أما اليوم فإن الحكومة تواجه أصلا تحديات مسلحة وسياسية في أكثر من إقليم، ما يجعل أي تصعيد جديد في تيغراي جزءا من أزمة وطنية أوسع، وتأتي إريتريا في مقدمة الحسابات التي يصعب تجاهلها، فقد قاتلت أسمرا إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال الحرب السابقة ضد تيغراي، قبل أن تدخل العلاقات الإريترية ـ الإثيوبية نفسها مرحلة جديدة من التوتر، ومع تغير طبيعة العلاقة بين الطرفين، فإن عودة القتال إلى تيغراي تفتح مجددا سؤال الدور الإريتري، ليس باعتبار ما فعلته أسمرا في الحرب السابقة، وإنما باعتبار موقعها الحالي ومصالحها الأمنية والسياسية في شمال إثيوبيا والبحر الأحمر، وهنا يصبح احتمال اتساع الأزمة أكثر تعقيدا، فعودة المواجهة بين أديس أبابا وتيغراي وحدها تمثل أزمة داخلية، لكن دخول إريتريا على خطها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يمكن أن يحولها إلى صراع ذي أبعاد إقليمية أوسع، كما أن وجود تحالف مسلح يضم قوى من أمهرة وأوروميا وعفر ومناطق أخرى يعني أن اتساع المواجهة لن يكون بالضرورة محصورا في شمال البلاد.

السودان في المعادلة
وفي قلب هذه المعادلة يأتي السودان، فالحدود السودانية ـ الإثيوبية تقع إلى جوار مسرح الأحداث، والحرب السودانية لا تزال مفتوحة في الجهة الأخرى من الحدود، بما يجعل أي موجة جديدة من القتال في شمال إثيوبيا ذات آثار محتملة على حركة السكان والحدود والتجارة والأمن، فضلا عن احتمالات النزوح إذا اتسعت رقعة المواجهات، والأخطر أن تزامن الأزمتين السودانية والإثيوبية يخلق بيئة مختلفة تماما عن تلك التي كانت قائمة عند اندلاع حرب تيغراي الأولى، فالسودان اليوم يعيش حربا واسعة، والحدود الشرقية تقع في منطقة شديدة الحساسية، فيما تتحرك داخل الإقليم مجموعة من القوى المسلحة والمصالح المتقاطعة، لذلك فإن السؤال بالنسبة إلى الخرطوم لا يتعلق فقط بما يحدث داخل إثيوبيا، وإنما بقدرتها على منع انتقال تداعيات الصراع إلى حدودها الشرقية، فكلما اتسعت الحرب الإثيوبية، زادت احتمالات الضغط على الحدود، سواء عبر حركة السكان أو النشاط العسكري أو اضطراب طرق التجارة وحركة المجتمعات الحدودية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تنجح أديس أبابا في احتواء التحرك الجديد قبل أن يتحول إلى حرب واسعة، أم أن التحالفات المستجدة وتعدد بؤر التوتر داخل إثيوبيا سيدفعان البلاد إلى مواجهة جديدة؟ وفي الحالتين فإن السودان لن يكون بعيدا عن تداعياتها، خصوصا إذا تداخل مسار تيغراي مع الحسابات الإريترية والحرب السودانية المفتوحة، فما بدأ بتحرك عسكري في شمال إثيوبيا قد لا يبقى شأنا إثيوبيا خالصا، إذا التقت خطوط الصراع عند الحدود السودانية والبحر الأحمر، وتحولت أزمة تيغراي من مواجهة داخلية إلى حلقة جديدة في سلسلة أزمات القرن الأفريقي.

منطقة تماس
من جانبه أكد الخبير المصري في الشأن الأفريقي الدكتور حمدي عبد الرحمن أنه لا يمكن الجزم بأن حرب إثيوبيا الثانية قد بدأت بالفعل، لكنه شدد على أن المؤشرات الحالية أخطر بكثير من مجرد أزمة في حدود إقليم تيغراي. وقال عبد الرحمن لـ “المحقق” إن التحالف المسلح الجديد، وعودة الاشتباكات في تيغراي، والتوتر الإثيوبي ـ الإريتري، إلى جانب استمرار الحرب السودانية، تجعل الحدود السودانية الشرقية مرشحة لأن تصبح منطقة تماس في صراع إقليمي متعدد الأطراف، إذا فشل الاحتواء السياسي، موضحا أن هناك ثلاثة مؤشرات مقلقة للغاية، مشيرا إلى أنه في أغسطس اندلعت اشتباكات مباشرة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي في غرب الإقليم، بالقرب من الحدود السودانية، مع استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة، وفرار مقاتلين وجرحى إلى السودان، مضيفا أن جبهة تحرير شعب تيغراي أعادت في مايو تشكيل سلطتها السياسية في الإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية خرقا لاتفاق بريتوريا الموقع عام 2022، في حين يتهم قادة تيغراي الحكومة بعدم تنفيذ بنود الاتفاق، وتابع أن المؤشر الأخطر يتمثل في إعلان سبع جماعات مسلحة إثيوبية، في 21 سبتمبر الجاري، تحالفا يهدف إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، موضحا أن هذه الجماعات كانت في السابق على طرفي الصراع،

تعدد الجبهات
ورأى عبد الرحمن أن هذا التطور يعني أن المسألة انتقلت من مجرد توتر في تيغراي إلى أزمة متعددة الجبهات داخل الدولة الإثيوبية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التحالف الجديد لا يعني تلقائيا وجود قيادة عسكرية موحدة أو قدرة على شن حرب متزامنة في مختلف أنحاء إثيوبيا، موضحا أن الجماعات المنضوية فيه تختلف في أهدافها ومصالحها ومناطق وجودها، وقال في تقديري نحن في مرحلة ما قبل الحرب، أو حالة حرب غير مكتملة، وليس أمام حرب شاملة مؤكدة بعد، مشيرا إلى أن العامل الأخطر هو إريتريا، موضحا أن العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا متوترة بشدة، خصوصا حول مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر وميناء عصب، وقال إنه في الوقت نفسه تشير بعض التحليلات إلى وجود تقارب إثيوبي ـ تيغراني، رغم العداء السابق بين الطرفين، معتبرا أن الخطر الأساسي الثاني هو تحول الصراعات المنفصلة إلى منظومة صراع إقليمية واحدة بالغة التعقيد والتشابك: تيغراي وإريتريا والسودان والبحر الأحمر، وخلص إلى أن السودان ربما يصبح الحلقة الأكثر هشاشة وضعفا في حال تحول هذه التوترات المتداخلة إلى صراع إقليمي أوسع.

تحولات كبيرة
من جهته رأى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي الدكتور محمد تورشين أن الحرب في إثيوبيا باتت تتسع شيئا فشيئا، عقب تحالف عدد من الفصائل الإثيوبية بهدف إسقاط نظام آبي أحمد، وقال تورشين لـ “المحقق” نحن الآن أشبه بالمرحلة التي تحالفت فيها جبهة تحرير شعب تيغراي مع العديد من الفصائل، وعلى رأسها جبهة تحرير إريتريا، موضحا أن تلك التحالفات أسهمت في تغيير الوضع آنذاك والإطاحة بنظام منغستو هيلا مريام، مضيفا يبدو الآن أننا في الاتجاه ذاته، فمنذ إعلان التحالف وحتى الآن حدثت تطورات كبيرة للغاية، موضحا أن الإعلان الرسمي عن التحالف جاء بالأمس، إلا أن وجود تنسيق مسبق بين مكوناته يعني بشكل أو بآخر، أن القوة التي يمتلكها هذا التحالف كبيرة، وأنها أسهمت بالفعل في إحداث تغيير كبير على أرض الواقع، وتابع أن ذلك يعني أن التحولات المقبلة ستكون كبيرة، معربا عن اعتقاده بأن الخرطوم وحتى مصر لن تقفا مكتوفتي الأيدي إطلاقا، وقال إن السودان يتهم إثيوبيا منذ فترة بالوقوف إلى جانب الحركة الشعبية والدعم السريع في إقليم النيل الأزرق، من خلال فتح خطوط إمداد عبر مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول.

التعامل بالمثل
ورأى تورشين أن السودان سيتعامل في هذه الحالة بمبدأ المثل، موضحا أنه حتى إذا لم يدعم جبهة تحرير شعب تيغراي والفصائل المتحالفة معها بشكل علني، بلا شك سيغض الطرف عن إيصال الدعم العسكري، والسماح للمدنيين وكذلك الجرحى بالدخول إلى السودان لعلاجهم، مشيرا إلى أن السودان لديه إرث تاريخي في هذا الجانب، سواء من خلال علاقته بجبهة تحرير شعب تيغراي أو جبهة تحرير إريتريا، مضيفا لذلك أعتقد أن تداخل ملف تيغراي وإريتريا سيكون حاضرا، والجانب الإريتري أيضا سيكون حاضرا بشكل كبير لتغيير نظام آبي أحمد، لافتا إلى وجود العديد من النزاعات المسلحة في منطقة القرن الأفريقي، والتي تتداخل فيما بينها، خصوصا فيما يتعلق بقضايا الدم والتمويل، معتبرا أن هذا التشابك يجعل أي تطور جديد في إثيوبيا قابلا للتفاعل مع صراعات وملفات أخرى في المنطقة.

شد وجذب
بدوره رأى الكاتب الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم أن السودان لا يستطيع القيام بأي دور في التطورات الحالية داخل إثيوبيا، في ظل حالة الشد والجذب القائمة بين الخرطوم وأديس أبابا. وقال إبراهيم لـ “المحقق” إن العلاقات بين البلدين تشهد توترا، خاصة مع استمرار الاتهامات المتبادلة بدعم كل طرف لمعارضة الطرف الآخر، متوقعا أن يتواصل تبادل هذه الاتهامات بصورة كبيرة خلال الفترة المقبلة، مضيفا أن التطورات التي حدثت في إثيوبيا ربما يكون لها صدى أيضا في السودان، خاصة في ظل الاتهامات السابقة التي وجهها السودان إلى أديس أبابا بدعم قوات الدعم السريع، في مقابل اتهام إثيوبيا للخرطوم بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي.

احتواء التوتر
ورأى إبراهيم أنه ما لم تكتفِ الدولتان بهذا المستوى من الاتهامات، فقد تشهد العلاقات بينهما نوعا من التوترات المتزايدة بالتزامن مع تطورات الأحداث داخل إثيوبيا، مشيرا إلى أن تحركات المجموعات المسلحة الإثيوبية ربما تتحول إلى ورقة ضغط يستخدمها أحد الطرفين في مواجهة الآخر، وتابع أن استمرار هذا المسار قد يزيد تعقيد العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، ما لم تتدخل جهة دولية أو إقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي، للعمل على رأب الصدع بين البلدين واحتواء التوتر المتصاعد بينهما.

↑
Exit mobile version