نعمان يوسف محمد
لم يعد السؤال في القطاع المصرفي السوداني: كم مصرفاً لدينا؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كم مصرفاً يستطيع أن يكون قوياً، مستقراً وقادراً على تمويل الاقتصاد؟ هذا السؤال اكتسب أهمية جديدة بعد أن أصدر بنك السودان المركزي في 17 فبراير 2026 منشوره رقم (4/2026) بشأن المتطلبات الرقابية لرأس المال المدفوع للمصارف. وقد صنف المنشور المصارف إلى فئات بحسب طبيعة نشاطها، وحدد رأس المال المطلوب للمصارف التجارية عند 140 مليار جنيه، والمصارف الرقمية عند 140 مليار جنيه، والمصارف التنموية الزراعية والصناعية عند 230 مليار جنيه، بينما حدد للمصارف الاستثمارية 55 مليار جنيه، ولمصارف التمويل الأصغر والصغير والمتوسط نطاقا بين 35 و55 مليار جنيه.
كما لم يضع المنشور للمصارف القائمة،خياراً واحداً لتوفيق الأوضاع، بل أتاح رفع رأس المال أو الاندماج مع مصرف آخر لتحقيق متانة مالية واستقرار في الأداء.
من هنا تبدأ القصة الحقيقية:
الرقم ليس المشكلة وإنما القدرة على بناء رأس المال هي المشكلة. ورفع الحد الأدنى لرأس المال لا يعني تلقائياً أن المصرف أصبح أكثر قوة. فالمصرف القوي لا يقاس بحجم رأس المال وحده، وإنما بقدرته على المحافظة على رأس المال وتنميته من خلال نشاط مصرفي سليم، وإدارة مخاطر فعالة، ومحفظة تمويل جيدة، وسيولة كافية، وحوكمة قوية، وقدرة على تحقيق عائد مستدام. ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح الآن ليس: هل تستطيع المصارف تدبير 140 مليار جنيه؟ وإنما من أين سيأتي هذا المال؟ وماذا سيضيف إلى قدرة المصرف على ممارسة نشاطه؟ ذلك لأن الزيادة التي تأتي من مساهمين قادرين على ضخ أموال جديدة تختلف في آثارها عن زيادة شكلية لا تغير كثيراً من المركز المالي الحقيقي للمصرف.
الاندماج يدخل إلى قلب المشهد:
أهم ما في منشور رأس المال أنه لم يحصر الحل في زيادة رأس المال، وإنما فتح الباب أمام الاندماج. وهذا يضع القطاع أمام احتمال إعادة رسم خريطته. فالاندماج يمكن أن يجمع رأس المال، والموارد البشرية، والفروع، والتقنيات، وقواعد العملاء، وأنظمة التشغيل، والخبرات الإدارية في كيان واحد.
لكن الاندماج ليس مجرد جمع مصرفين في ميزانية واحدة. وإذا كان أحد المصرفين يعاني من ضعف في جودة الأصول أو خسائر متراكمة أو مشكلات تشغيلية أو حوكمة ضعيفة، فإن دمج الكيانين لا يلغي المشكلة تلقائيا، بل قد ينقلها إلى الكيان الجديد. لذلك فإن أي موجة اندماجات محتملة تحتاج إلى فحص دقيق لجودة الأصول، والالتزامات، والخسائر، والموارد البشرية، والأنظمة التقنية، والدعاوى والمطالبات، وجودة المحفظة الائتمانية قبل اتخاذ القرار.
الحرب غيرت المعادلة:
الموضوع لا يمكن فصله عن آثار الحرب على الجهاز المصرفي. فبنك السودان المركزي أصدر في فبراير 2026 توجيهات بإعادة تقييم الأصول الثابتة للمصارف والمؤسسات المالية، وربط ذلك بإصلاح وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي ومعالجة آثار الحرب على المصارف. وهذا يعني أن الحديث عن رأس المال يأتي في وقت تحتاج فيه المصارف إلى معرفة حجم مراكزها المالية الحقيقية، وليس مجرد الأرقام الدفترية السابقة. ذلك لأن المباني والفروع والتجهيزات التي تعرضت للأضرار، والأصول التي تغيرت قيمتها، والخسائر المتراكمة، والتمويلات المتعثرة، كلها عناصر تؤثر في الصورة الحقيقية للمركز المالي. ومن هنا يصبح تنظيف الميزانيات وإظهار القيمة الحقيقية للأصول وجودة المحفظة خطوة لا تقل أهمية عن زيادة رأس المال.
وماذا عن المصارف المتخصصة؟
المنشور لم