
عباس كبّاري
كتب الباحث عباس قباري لمجلة Fokus+ عن كيفية إسهام الميليشيات المسلحة في إضعاف الدول وإعادة تشكيل الخرائط الوطنية فعليًا.
ليست المليشيات المسلحة ظاهرة حديثة فرضتها متطلبات العصر، بل هي موجودة منذ العصور القديمة، وقد عادت في الآونة الأخيرة إلى واجهة الأحداث عقب الحروب العالمية والإقليمية وتداعياتها. ومع تفكك الإمبراطوريات الكبرى وصعود “الدول القومية” مكانها، تنوّعت أشكال هذه المليشيات. ووفق التعريف الشائع، تُعدّ المليشيا تنظيماً غير رسمي يمتلك قوة مسلحة، وقدرة على الاستمرار، وقيادة معروفة. وتتغير صورة المليشيا تبعاً لهدف نشأتها وطبيعة علاقتها بالدول أو بالجماعات السياسية أو العرقية أو الدينية.
لقد لعبت المليشيات دوراً محورياً في الحروب والاضطرابات الجارية حالياً في عدد من دول العالم. ويمكن القول إنها أصبحت قاسماً مشتركاً في معظم الحروب والنزاعات المسلحة، حتى غدا وجودها سمة شبه معيارية، ما أتاح لها التطور والنمو وتصحيح مساراتها وتجنب تكرار أخطائها. ويختلف مصطلح “المليشيات المسلحة” عن مصطلحات أخرى يُخلط بينها أحياناً، مثل “المقاومة الوطنية” أو “شركات الأمن المسلحة”. وتعمل المليشيات في مجالين رئيسيين: العسكري والسياسي، ولها آثار اقتصادية ودينية واجتماعية، كما تسهم في تعقيد قضايا مثل الهجرة غير الشرعية واللجوء والنزوح. وقد جعلت هذه العوامل مجتمعةً من المليشيات فاعلاً مؤثراً في كثير من القضايا، ومحدِّداً لمصائر دول وشعوب وجماعات.
المليشيات والمقاومة
يكمن الفرق الجوهري بين المقاومة والمليشيات في هدف النشأة. فالمقاومة الوطنية التي ينشئها شعب واقع تحت الاحتلال تهدف إلى التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال العسكري، بينما يتجلى سلوك المليشيا أساساً في الانشقاق عن الجيش الوطني بهدف تقسيم الأراضي أو السيطرة على المؤسسات. وتقوم المقاومة على عناصر “وطنية” مرتبطة بتطلعات التحرر، في حين ترتكز المليشيات غالباً على دوافع عرقية أو طائفية تسعى من خلالها لتحقيق أهداف محددة. كما تختلف الجهتان في مصادر التمويل، والولاءات، وآليات اتخاذ القرار، والتوجهات العملياتية، ونقاط انطلاق الأهداف. وربما يُعدّ المثال الفلسطيني أوضح نموذج للفارق بين المقاومة والمليشيات؛ فالمقاومة المشروعة، بتعدد فصائلها، تتكون من تشكيلات وطنية تناضل من أجل التحرر وتحظى بتوافق شعبي ودعم دولي. أما المليشيات التي تسعى إسرائيل إلى تشكيلها، مثل عصابة “أبو شباب”، فلا تهدف إلا إلى ملاحقة المقاومة، وتصفية قادتها، والانتقام من عناصرها، وكشف مواقعها وخططها، بما يخدم مخطط الاحتلال، ولا يمكن بحال من الأحوال مساواة الطرفين.
المليشيات وشركات الأمن الخاصة
تتشابه شركات الأمن الخاصة المزوّدة بأسلحة متطورة وتجهيزات قتالية مع نموذج المليشيات من بعض الجوانب، وتختلف عنه من جوانب أخرى. ويكمن الفارق “الضيق” بينهما في أن هذه الشركات كيانات شبه رسمية تملكها دول لتنفيذ سياسات خارجية محددة، وتحظى باعتراف قانوني وفق قوانين الدول التي أُنشئت فيها، وهو ما تفتقر إليه المليشيات التي تميل إلى أن تكون جماعات مسلحة غير معترف بها. ومع ذلك، يشترك النموذجان في الاستعداد للعمل كـ“مرتزقة” لتحقيق أهداف الدول الممولة والداعمة. ومن أشهر هذه الشركات: الأمريكية “بلاك ووتر” والروسية “فاغنر”.
المليشيات تعيد رسم خرائط الدول
الدولة كائن حي؛ تمرض وتموت، تضعف وتقوى، وقد تخضع أحياناً لتدخلات “جراحية” للبقاء أو لـ“بتر” بعض أعضائها، ما قد يقود إلى الانقسام والتفكك. وقد شهد العالم نماذج عديدة لانقسام الدول، نال بعضها اعترافاً دولياً، بينما استمر بعضها الآخر في حروب أهلية لعقود دون حسم. وكانت المليشيات الأداة الأبرز في تنفيذ هذه الانقسامات.
وفي شكليها العسكري والسياسي، تسعى المليشيات إلى الخروج من دائرة اللّا شرعية عبر بناء قوة معترف بها إقليمياً ودولياً، بدعم من “الرعاة أو الممولين” من خلال فتح قنوات إقليمية ودولية، أو توظيف مصالح واتفاقات محددة، أو تغيير المواقف. وتهدف هذه الحركة إلى محو صفة التمرد على الجيش الوطني أو التخلص من غطاء الانتماءات القبلية أو العرقية أو الطائفية. وإذا نجحت مليشيا ما في نيل اعتراف مجموعة من الدول، تنتقل إلى المرحلة التالية: إعلان نفسها حكومة موازية. وتتحول الأراضي التي تسيطر عليها عسكرياً إلى مسرح لتأسيس كيان يسعى للاعتراف الدولي، أي إلى مرحلة بناء الدولة.
ويُعدّ السودان وليبيا مثالين واضحين على دور المليشيات في إعادة رسم الخرائط الوطنية؛ فمليشيا قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي تعمل على فصل غرب السودان عن المركز تمهيداً للاعتراف به دولةً مستقلة، بينما تسعى مليشيات حفتر للسيطرة على شرق ليبيا بعيداً عن حكومة الوفاق الوطني المعترف بها إقليمياً ودولياً. ولكل من هذه النماذج داعموها الإقليميون والدوليون.
أثر المليشيات محلياً ودولياً
إن الصراع المسلح بين مجموعتين تكون إحداهما أو كلتاهما مليشيا يؤدي إلى نتائج محلية بالغة الخطورة على المواطنين؛ إذ تُنتهك الأرواح والحقوق، وتُداس الأعراف، وتُنهب الممتلكات لبث الرعب وإجبار الطرف الآخر والسكان على الخضوع. ولا يترك ذلك خياراً سوى قبول شروط المليشيات لوقف “الإبادة” وإعادة الهدوء والسماح بتدفق المساعدات. وتستغل قيادات المليشيات هذا الوضع لانتزاع اعتراف ما. غير أن الآثار لا تتوقف محلياً؛ إذ تمتد دولياً مع موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، ولا سيما نحو أوروبا. والمفارقة أن بعض الدول المتضررة تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تأجيج الصراع عبر تزويد الأطراف بالسلاح أو الدعم السياسي، أو عبر ادعاء الحياد والوساطة، لأن مكاسب استمرار الحرب غالباً ما تفوق خسائرها. وتتحول موارد الدول المنكوبة إلى “غنيمة” للداعمين، تُستخدم لإدامة الحرب أو ضمان الديون، فتغدو الدولة الجديدة إما “فاشلة” أو خاضعة لحصار طويل كما في جنوب السودان أو اليمن.
لا يعترف القانون الدولي بالدولة ككيان قانوني إلا بتوافر الأرض والسكان والسلطة، ويتبع ذلك الاعتراف الدولي. ومن الطبيعي أن يستقر شعب على أرض ويختار قيادة توافقية تسعى لاحقاً للاعتراف الدولي. لكن عندما تُنشئ المليشيات دولاً، تنقلب العملية: يُجزّأ الوطن أولاً، ثم يُنتزع جزء منه بالقوة، وتُشن حرب عنيفة لترسيخ السيطرة وتوسيعها وصولاً للاعتراف. وغالباً ما تنتهي هذه النزاعات بالانقسام لا بالوحدة، لأن هدف المليشيات منذ البداية هو تفكيك الدولة وتمزيق أراضيها، لا توحيدها تحت سلطة جديدة.



