هل تحوّل السودان إلى مركز جديد لشبكات المخدرات؟

سؤال اليوم |

القاهرة – سماح طه
لم يكن الصحفي السوداني يوسف حمد النيل يتوقع أن يقوده حديثه عن انتشار المخدرات في منطقته إلى تلقي تهديدات. كل ما فعله أنه نقل ما يراه يوميًا من وجود مروجين ومتعاطين يتحركون بصورة شبه اعتيادية، في منطقة كان يفترض أن تكون بعيدة عن مثل هذه المظاهر بحكم طبيعتها والإجراءات الأمنية المفترضة فيها.
يقول يوسف في إفادته لـ”الأحداث”: “أسكن في منطقة يفترض أن يكون دخول المروجين والمتعاطين إليها في غاية الصعوبة، لكن للأسف أصبح وجودهم أمرًا شبه عادي.” ويضيف: “الأخطر أن بعض هذه الشبكات من بينها من ينتمي إلى جهات يفترض أنها تحمي المجتمع، لذلك نتمنى من الجهات الأمنية تكثيف حملات المكافحة لأن الأمر استفحل.”
تحولت شكوى يوسف من مجرد حديث عن ظاهرة مقلقة إلى قضية شخصية بعد تعرضه للتهديد، في مشهد يعكس حجم الجرأة التي باتت تتحرك بها شبكات المخدرات، ويطرح تساؤلات حول مدى تمدد نفوذها في ظل الظروف التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب.
ومن هنا يبرز سؤال اليوم: هل تحوّل السودان من دولة عبور للمخدرات إلى مركز جديد لنشاط شبكات التهريب والتصنيع؟
لم تعد المخدرات في السودان مجرد قضية جنائية تتعامل معها الأجهزة المختصة، بل أصبحت ملفًا يثير قلقًا متزايدًا مع استمرار الحرب وما خلفته من انهيار في المنظومة الأمنية والاقتصادية. وخلال العامين الماضيين، تكررت الإعلانات الرسمية عن ضبط كميات كبيرة من المخدرات، وتفكيك شبكات للاتجار بها، والكشف عن معامل لتصنيع الحبوب المخدرة، في وقت تشير فيه تقارير إعلامية وبحثية إلى اتساع نشاط الجريمة المنظمة داخل البلاد.
ويرى مختصون أن الحرب وفقدان الدولة السيطرة الكاملة على عدد من المناطق والمعابر الحدودية، إضافة إلى امتداد الحدود السودانية مع سبع دول، وفرت بيئة مناسبة لتحركات شبكات التهريب. كما أدى النزوح الواسع، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى خلق ظروف استغلتها تلك الشبكات لتوسيع نفوذها.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن إدارات مكافحة المخدرات إلى تنفيذ عشرات العمليات الأمنية خلال الفترة الماضية، أسفرت عن ضبط كميات من الكبتاغون، والميثامفيتامين (الآيس)، والهيروين، والكوكايين، والحشيش، والبنقو، والترامادول، إضافة إلى الإعلان عن ضبط معامل لتصنيع الحبوب المخدرة في عدد من المناطق، وهو تطور يثير القلق لأن التصنيع المحلي يمثل مرحلة أكثر خطورة من استخدام البلاد كممر لعبور المخدرات.
وفي المقابل، تتحدث تقارير إعلامية وبحثية عن استغلال شبكات إجرامية عابرة للحدود لحالة الانفلات الأمني في السودان لنقل المخدرات إلى أسواق إقليمية، بينما تؤكد السلطات استمرار عمليات الملاحقة والضبط، وتعزيز التنسيق مع دول الجوار لمكافحة هذه الأنشطة.
ولا تقف خطورة الظاهرة عند حدود الأمن، بل تمتد إلى المجتمع. فمع توقف الدراسة في كثير من المناطق، وتزايد معدلات الفقر والبطالة، أصبح الشباب أكثر عرضة للاستهداف من قبل مروجي المخدرات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإدمان والجريمة والعنف الأسري، ويهدد مستقبل جيل كامل أنهكته الحرب.
ويرى مراقبون أن الحروب غالبًا ما تؤدي إلى ازدهار الاقتصادات غير المشروعة، مثل تهريب السلاح والذهب والبشر والمخدرات، نتيجة ضعف مؤسسات الدولة وتراجع سيادة القانون، وهو ما يجعل مكافحة هذه الظواهر أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ حملات أمنية.
ورغم الجهود التي تبذلها الأجهزة المختصة، فإن كثيرين يرون أن المواجهة الحقيقية تبدأ باستعادة السيطرة على الحدود، وإعادة بناء مؤسسات إنفاذ القانون، وتطوير برامج التوعية والعلاج، وتجفيف مصادر التمويل التي تعتمد عليها شبكات الجريمة المنظمة، إلى جانب فرض رقابة صارمة على تداول الأدوية والعقاقير التي يسهل إساءة استخدامها.
وتبقى قصة يوسف حمد النيل واحدة من الشواهد التي تعكس حجم القلق الذي يعيشه المواطنون. فحين يصبح الإبلاغ عن انتشار المخدرات سببًا للتهديد، فإن ذلك يفرض على الجميع التوقف أمام هذه الظاهرة بجدية، ليس باعتبارها قضية أمنية فحسب، بل تحديًا يهدد المجتمع والدولة معًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدولة السودانية، بعد انتهاء الحرب، في استعادة السيطرة على هذا الملف قبل أن تتحول المخدرات إلى أزمة مجتمعية ممتدة، أم أن شبكات الجريمة المنظمة أصبحت أكثر قوة واتساعًا مما كانت عليه قبل الحرب؟

Exit mobile version