هل استحواذ مجموعة مأمون البرير على أعمال صافولا في السودان خبر جيد أم جرس إنذار اقتصادي؟

د.محمد شرف الدين الطيب

في عالم الاقتصاد والشركات كثيراً ما نسمع مصطلحين متكررين: الاستحواذ والاندماج. وغالباً ما يظهران في الأخبار الاقتصادية عندما تقوم شركة بشراء شركة أخرى أو عندما تتحد شركتان لتكوين كيان أكبر، لكن رغم التشابه بين المفهومين، فإن هناك اختلافاً مهماً بينهما من حيث المعنى والنتائج الاقتصادية.

أولاً الاستحواذ : هو عملية تقوم فيها شركة بشراء حصة مسيطرة في شركة أخرى، غالباً أكثر من 50% من أسهمها، مما يمنحها السيطرة على قراراتها الإدارية والمالية، ففي هذه الحالة تبقى الشركة المُستحوذ عليها قائمة قانونياً في كثير من الأحيان، لكنها تصبح تحت إدارة أو سيطرة الشركة المالكة الجديدة كما أن الهدف من الاستحواذ غالباً يكون توسيع النشاط الإقتصادي، أو دخول سوق جديدة، أو السيطرة على مورد مهم أو علامة تجارية؛ وقد يحدث الاستحواذ بين شركات محلية داخل نفس الدولة أو بين شركات من دول مختلفة.

ثانياً الاندماج: يحدث عندما تتفق شركتان أو أكثر على الاتحاد لتكوين شركة واحدة جديدة، وفي هذه الحالة غالباً ما تختفي الهياكل القانونية القديمة للشركتين ويظهر كيان جديد يجمع أصولهما ومواردهما، فالاندماج يختلف عن الاستحواذ في أنه غالباً يتم باتفاق متوازن بين الطرفين، حيث تشارك كل شركة في الإدارة والملكية داخل الكيان الجديد، وفي حالات كثيرة يحدث الاندماج بين شركات تعمل في نفس القطاع لتعزيز القدرة التنافسية، أو لتقليل التكاليف، أو لمواجهة شركات أكبر في السوق.

وهنا يطرح سؤال إقتصادي عن ما هي الأسباب التي تدفع الشركات إلى اللجوء إلى الاستحواذ أو الاندماج؟” حيث هناك عدة أسباب اقتصادية تدفع الشركات إلى هذه العمليات، من أهمها:

1. التوسع في السوق :- فعندما ترغب شركة في دخول سوق جديدة بسرعة، قد يكون شراء شركة موجودة بالفعل أسهل من بناء نشاط جديد من الصفر.

2. تحقيق وفورات الحجم:- فكلما كبر حجم الشركة زادت قدرتها على تقليل تكاليف الإنتاج والإدارة. 3. الحصول على التكنولوجيا أو الخبرة:- أحياناً تشتري شركة أخرى بسبب امتلاكها تقنيات أو معرفة متقدمة.

4. زيادة القوة التنافسية:- الاندماج بين شركتين قد يمنحهما قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق العالمية.

5. الوصول إلى موارد أو سلاسل إمداد:- فبعض الشركات تستحوذ على شركات توفر لها مواد خام أو خدمات لوجستية.

ثالثاً: المشكلات التي قد تؤدي إلى الاستحواذ أو الاندماج :-

ليس كل استحواذ أو اندماج ناتج عن قوة اقتصادية، بل أحياناً يكون نتيجة مشاكل داخل الشركات أو داخل الاقتصاد نفسه ومن أبرز هذه المشكلات:-

1- الأزمات المالية :- عندما تواجه شركة خسائر كبيرة أو صعوبات في التمويل، قد تضطر لبيع جزء من أسهمها أو السماح لشركة أخرى بالاستحواذ عليها.

2- ضعف القدرة التنافسية:- إذا لم تستطع شركة مواكبة التطور التكنولوجي أو المنافسة السعرية، فقد تلجأ إلى الاندماج مع شركة أقوى.

3- تغير البيئة الاقتصادية:- التضخم المرتفع، انهيار العملة، أو عدم الاستقرار السياسي قد يدفع الشركات الأجنبية إلى بيع استثماراتها والخروج من السوق.

4- ارتفاع تكاليف التشغيل:- مشاكل الكهرباء، النقل، أو الضرائب المرتفعة قد تجعل تشغيل الشركة صعباً، فتبحث عن شريك أكبر أو مشترٍ جديد.

5- إعادة هيكلة الشركات العالمية:- بعض الشركات متعددة الجنسيات تعيد ترتيب استثماراتها حول العالم، فتبيع فروعاً في أسواق معينة للتركيز على أسواق أخرى.

رابعاً: النتائج الاقتصادية :-

يمكن أن تكون نتائج الاستحواذ أو الاندماج إيجابية إذا أدت إلى تحسين الإنتاجية وزيادة الاستثمار وخلق وظائف جديدة ولكنها قد تكون سلبية إذا كانت نتيجة هروب رؤوس الأموال أو تراجع النشاط الاقتصادي في بلد معين.

لذلك ينظر الاقتصاديون إلى هذه العمليات ليس فقط كصفقات تجارية، بل أيضاً كمؤشرات تعكس صحة البيئة الاستثمارية في أي اقتصاد.

في ظاهر الأمر يبدو خبر استحواذ مجموعة مأمون البرير على أعمال شركة Savola Group في السودان خبراً إيجابياً ومبعث فخر لقطاع الأعمال الوطني. فمجموعة البرير تُعد من الأسماء المعروفة في الصناعات الغذائية السودانية، ولها تاريخ طويل في الاستثمار الزراعي والصناعي. رؤية شركة وطنية تتوسع وتستحوذ على أصول صناعية كبيرة قد تعطي انطباعاً بأن رأس المال المحلي بدأ يلعب دوراً أكبر في قيادة الاقتصاد.

لكن عند قراءة الخبر من زاوية الاقتصاد الكلي، تظهر أسئلة أعمق وأكثر تعقيداً: هل نحن أمام صعود لرأس المال الوطني؟ أم أننا نشهد في المقابل انسحاباً تدريجياً لرأس المال الأجنبي من السودان؟

لفهم هذه المسألة لا بد أولاً من توضيح مفهوم مهم في الاقتصاد وهو الاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment). ويقصد به دخول شركات أو مستثمرين من خارج الدولة لإنشاء أو شراء مشاريع إنتاجية داخلها. هذا النوع من الاستثمار لا يجلب الأموال فقط، بل ينقل أيضاً التكنولوجيا، والخبرات الإدارية، ويرفع مستويات الإنتاج والتصدير، ويخلق فرص عمل جديدة.

لهذا السبب تتنافس دول العالم اليوم على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. فدول مثل الصين وماليزيا، بل وحتى اقتصادات الخليج مثل الإماراتالعربيةالمتحدة، بذلت جهوداً ضخمة لتوفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال العالمية، لأنها تدرك أن الصناعة والتكنولوجيا الحديثة غالباً ما تأتي عبر هذا الباب، فمن هنا يصبح خروج شركة إقليمية كبيرة مثل Savola Group من السوق السوداني حدثاً يستحق التأمل، فالشركة ليست مجرد مستثمر مالي، بل لاعب صناعي مهم في قطاع الغذاء والزيوت، وهو قطاع حيوي لأي اقتصاد. إذا كان هذا الخروج نتيجة إعادة هيكلة تجارية عادية، فإن الأمر لا يدعو للقلق الكبير أما إذا كان نتيجة بيئة استثمارية غير مستقرة، فإن ذلك قد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق متمثلة في تراجع ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد السوداني فالمشكلة الأساسية في السودان ليست في نقص الموارد، بل في هيكل الاقتصاد نفسه فالسودان يمتلك مساحات زراعية هائلة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية كبيرة، إضافة إلى موقع جغرافي قريب من أسواق ضخمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع ذلك يظل النشاط الصناعي الحقيقي محدوداً مقارنة بحجم هذه الإمكانات.

لقد ظل الاقتصاد السوداني لسنوات طويلة يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والاستيراد والوساطة، بينما بقيت القاعدة الصناعية ضعيفة، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي ارتفاع فاتورة الواردات، والضغط المستمر على العملة المحلية، وظهور دورات متكررة من التضخم وارتفاع سعر الدولار، ومن هذا المنظور، فإن استحواذ مجموعة البرير يحمل سيناريوهين كالاتي :-

السناريو الأول :-

سناريو النجاج في تعزيز رأس المال الوطني وتنمية الصناعة ممثلة في الاتي:

1- تطوير الإنتاج المحلي بتوسيع خطوط تصنيع المنتجات الغذائية والزيوت، وزيادة القدرة على تلبية الطلب المحلي والإقليمي، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد.

2- تبني التكنولوجيا والخبرة من خلال استقدام خبراء وتقنيات حديثة لتحسين جودة المنتجات وخفض التكلفة، مع تدريب الكوادر المحلية.

3. استقرار العمالة والموردين المحليين بالحفاظ على وظائف العمال المحليين ودعم الموردين الوطنيين في سلسلة التوريد.

4. تعزيز التنافسية الإقليمية بالقدرة على التصدير للأسواق المجاورة، مثل دول الخليج وشمال إفريقيا، وزيادة الإيرادات الوطنية.

وعلية تكون النتيجة المتوقعة بأن يصبح الاستحواذ نقطة تحول إيجابية تعكس قوة رأس المال الوطني، وتعزز الثقة في الاقتصاد السوداني، مع خلق قيمة مضافة حقيقية وتحفيز النمو الصناعي.

أما عن السيناريو الثاني، ممثلاً في التحديات والمخاطر الاقتصادية ففي هذا السيناريو، تواجه مجموعة البرير تحديات كبيرة تجعل من الصعب إدارة الكيان الكبير بنجاح:

1. مشاكل السيولة والتمويل بارتفاع تكلفة المواد الخام، والتضخم، أو ضعف البنية التحتية الذي قد يحد من القدرة على الاستثمار الفعّال بالاصافة إلى رأس المال التشغيلي ….الخ

2. إنسحاب المستثمرين الأجانب بخروج Savola قد يقلل من انتقال الخبرة والتكنولوجيا، مما يضعف القدرة التنافسية.

3. الضغط على أسعار المنتجات بمنافسة قوية من الشركات الأجنبية المستوردة، أو تقلبات سعر العملة، قد تقلل من هامش الربح.

4. المخاطر الإدارية والتشغيلية بإدارة كيان كبير يحتاج لخبرات واسعة، وإذا لم تكن موجودة، قد تظهر مشاكل تنظيمية تؤدي لتراجع الأداء.

وعلية فإن النتيجة المتوقعة بتحول الاستحواذ إلى عبء اقتصادي إذا لم يتم تهيئة البيئة الاستثمارية المناسبة، ويصبح مجرد إجراء لحماية الأصول بدلاً من تعزيز النمو، مع احتمال زيادة المخاطر المالية على المجموعة.

خامساً: الفرص والتحديات (من خامات الطبيعة إلى صناعة المستقبل) :-

أن ما يحتاجه السودان فعلياً هو مشروع اقتصادي واضح يقوم على ثلاثة محاور: استقرار سياسي ومؤسسي يعيد الثقة للمستثمرين، و بناء بنية تحتية تدعم الصناعة، وتوجيه السياسات الاقتصادية نحو الإنتاج بدلاً من الاقتصاد التجاري الاستهلاكي، وعندها فقط يمكن تحويل الموارد الطبيعية الهائلة للسودان إلى قاعدة صناعية حقيقية، بدلاً من أن تبقى مجرد مواد خام تُصدر أو تُستهلك دون قيمة مضافة.

وعليه فإن استحواذ البرير قد يكون بداية قصة نجاح لرأس المال الوطني، لكنه في الوقت نفسه تذكير قوي بأن مستقبل الاقتصاد السوداني يعتمد على قدرته في خلق بيئة جاذبة للاستثمار والإنتاج معاً.

Exit mobile version