الأحداث – وكالات بعد أيام من استعادة الجيش السوداني والقوات المساندة له، مناطق مهمة في محور ولاية شمال كردفان، تكشف حجم الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة التي تركتها قوات الدعم السريع خلفها في محور طريق الصادرات، مما يعكس الدعم اللوجستي الذي كانت تتلقاه برا وجوا من خارج البلاد.
وكان الجيش السوداني قد أعلن، الأحد الماضي، استعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة ثم أم قرفة وجريجخ بولاية شمال كردفان، بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع، وأكد تكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وغنم عشرات المركبات القتالية وكميات كبيرة من العتاد العسكري.
مخازن صواريخ ومسيّرات وتكشف مصادر عسكرية للجزيرة نت أن قوات الدعم السريع “بعد سحقها” في محور طريق الصادرات تركت وراءها عدة مخازن؛ ففي مدينة جبرة الشيخ عثر على صواريخ وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي واتصالات وأجهزة تشويش ومركبات قتالية مصفحة وصواريخ مضادة للدروع، وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة.
وتوضح المصادر العسكرية، التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها، أن غالبية هذه الأسلحة وصلت للدعم السريع خلال فترات سابقة من قواعد ومطارات في جنوب وشرق ليبيا خاصة، وبرا عبر المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، قبل أن يفرض الجيش رقابة جوية على المثلث ويدمر عدة قوافل عسكرية وطائرات في مطار نيالا بإقليم دارفور الذي استقبل طائرات شحن عسكرية.
وحسب المصادر ذاتها، فإن الإسناد العسكري عبر ليبيا لم يتوقف، لكن بعد مراقبة المثلث الحدودي وتنفيذ ضربات استباقية أدت إلى تعطيل وتأخير الشحنات العسكرية القادمة عبر الطرق الصحراوية المفتوحة، مما أجبر شبكات الدعم على تغيير مساراتها واستخدام طرق أطول وأكثر خطورة.
وكشف تقرير للأمم المتحدة في أبريل الماضي، عن شبكة دعم لوجستي وعسكري معقدة عبر الأراضي الليبية لصالح قوات الدعم السريع، شملت نقل مقاتلين “مرتزقة” من كولومبيا وأسلحة ومعدات عبر المناطق الحدودية.
إرباك الإمداد وأفاد خبراء الأمم المتحدة، بأن كتيبة “سبل السلام” التي كانت جزءا من الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، لعبت دورا محوريا في هذه العمليات انطلاقا من مدينة الكفرة بجنوب ليبيا.
وفي خطوة عززت الاتهامات السودانية، قالت منصة “القدرات العسكرية السودانية” القريبة من الجيش إنه تم القبض على مقاتلين ليبيين داخل الأراضي السودانية العام الماضي؛ حيث أسرت القوات النظامية عناصر تابعة لما يُعرف بـ”كتيبة سبل السلام – السلفية المدخلية”.
ومن بين المعتقلين وفق المنصة، إسلام غيث عبد الحميد الذي أدلى باعترافات موثقة تؤكد عبورهم الحدود المشتركة ووقوع اشتباك مع القوات السودانية.
وينفي المسؤولون في شرق ليبيا هذه الاتهامات، وتصفها سلطات بنغازي بأنها “حملات إعلامية ودعائية” تستهدف تشويه القوات الليبية، وتؤكد عدم تدخلها في الشأن الداخلي السوداني.
مسارات بديلة ويرى الباحث في الشؤون العسكرية الأمين محمد الطيب، أن سلاح الجو السوداني ومسيّراته نجح في توجيه ضربات موجعة لعدة أرتال ومواقع إمداد في الصحراء الحدودية، مما أضعف وأربك خطوط تزويد قوات الدعم السريع من ليبيا، دون أن يؤدي ذلك إلى إنهائها تماما بسبب الطبيعة الصحراوية المفتوحة للحدود.
وفي حديث للجزيرة نت، يعتقد الطيب أنه على الرغم من الخسائر التي تلقتها القوافل، لكن الامتداد الجغرافي الواسع للشريط الصحراوي والحدود المفتوحة يجعل القطع الكلي لخطوط الإمداد والتهريب أمرا بالغ الصعوبة، حيث تعتمد قوات الدعم السريع على شبكات تهريب محلية وعابرة للحدود متمرّسة في الملاحة الصحراوية.
غير أن تضييق الخناق على الإمداد اللوجستي من ليبيا -كما يقول الباحث العسكري- دفع قوات الدعم السريع لتغيير مسارات خطوط إمدادها والاعتماد بشكل أكبر على المسار التشادي الطويل بدلا من المسار الليبي المباشر.
ويضيف أن المسار الجديد عبر تشاد يأخذ طابع “التهريب الملتوي” وهو أطول جغرافيا (1900 كيلومتر) وأكثر تعقيدا لوجستيا مما تسبب في تباطؤ وصول الإمدادات الحيوية (كالذخائر الثقيلة والوقود وقطع الغيار) إلى جبهات القتال الرئيسية في دارفور وكردفان، الأمر الذي ينعكس مباشرة على وتيرة النشاط العسكري ويربك الخطط العملياتية.
ويشير الطيب إلى أن السلطات في شرق ليبيا ومناطق نفوذ “الجيش الوطني الليبي” تلقت تحذيرات وضغوطا إقليمية ودولية متزايدة لإغلاق منافذ ومطارات الجنوب أمام شحنات الدعم العسكري، مما تسبب في تراجع أو تعثّر ضخ الإمدادات المباشرة إلى دارفور بطريقة منتظمة.
دعم بلا تفوق يعتقد مراقبون وخبراء أن قوات الدعم السريع لم تستطع استغلال كميات الأسلحة والعتاد الحربي الضخم خلال المرحلة السابقة في تحقيق تحول وتفوق عسكريين.
ويرجح هؤلاء أن الأسلحة المتطورة التي تركتها قوات الدعم السريع خلفها في مدينة جبرة الشيخ ومحور طريق الصادرات في شمال كردفان لم يكن الهدف منه عمليات كردفان بل مخطط لتهديد الخرطوم وولاية النيل الأبيض.
ويرى المختص في العلاقات الدولية والشؤون العسكرية والأمنية عامر حسن أن “ارتباط الدعم السريع بأجندة تفتيت السودان أمر تدعمه كل قرائن الأحداث من قبل اندلاع الحرب في عام 2023 وبعدها”.
ويقول حسن للجزيرة نت إن ضعف استفادة قوات الدعم السريع من السلاح المتطور الذي تمده بها قوى إقليمية يرجع لأسباب عدة، أبرزها:
تحطيم القوة الصلبة لهذه القوات في معارك الخرطوم وولايات وسط السودان، وهي القوة التي تم تدريبها وتطوير قدراتها بواسطة الجيش السوداني منذ تأسيس الدعم السريع في عام 2013 وحتى عام 2020. وبزوال هذه العناصر المؤهلة غابت العناصر الماهرة في استخدام السلاح والعتاد المتطور، وازدادت في المقابل أعداد المرتزقة المستجلبين بلا تأهيل على أسس قبلية أو بالارتزاق المالي من داخل السودان ودول مجاورة. انفصال قوات الدعم السريع كليا عن قواعد ومعسكرات التدريب والتأهيل التي تجهز المقاتلين للمهام المستقبلية وفق ما يتوفر من سلاح. ويتوقع حسن استمرار تدفق الإمداد ومزيدا من السلاح المتطور “لكنه سيقع في يد الجيش الذي يحقق انتصارات تستند إلى فكر عسكري وخبرة ميدانية متوارثة وحواضن تدريب مستمرة على كل المستويات”. ضعف الكفاءة الاستخبارية للقوى الإقليمية “التي قبلت لعب دور المقاول والممول لمشروع أجنبي في السودان”، وتوفير أسلحة متقدمة في غياب منظومة تدريب متكاملة. كما أن شراء أسلحة حديثة وحشد عتاد متطور لم يكسب الدعم السريع المعارك، في ظل انعدام شرعية الحرب وغياب أخلاقيات القتال، وفق المختص في الشؤون العسكرية.