‏نهاية المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل؟

‏بقلم ديفيد إي

‏تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأميركية على مدى الثمانين عامًا الماضية. فهل تحصل الولايات المتحدة على ما يعادل أموالها؟

‏يقول المدافعون إن هذه المساعدات توفّر دعمًا حيويًا لحليف أميركي صغير يواجه تحديات أمنية كبيرة. وعلى أي حال، يتعيّن على إسرائيل إنفاق أكثر من 90% من هذه المساعدات على شراء أسلحة أميركية (وسيرتفع هذا الرقم قريبًا إلى 100%)، وقد استُخدمت هذه الأسلحة بفاعلية كبيرة، مما عزّز سمعة الصناعات العسكرية الأميركية. كما أن جزءًا كبيرًا من المساعدات ذهب إلى تطوير مشترك لأنظمة صاروخية يعود بالنفع على البلدين.

‏لكن المنتقدين يرون أن إسرائيل اليوم أصبحت غنية بما يكفي لتمويل دفاعها بنفسها، وأن المساعدات تشجّع فعليًا إسرائيل، المزوّدة بترسانة عسكرية كبيرة، على عدم السعي إلى اتفاقيات سلام مع جيرانها أو حل القضية الفلسطينية. كما يجادلون بأن انتهاكات إسرائيل المتزايدة لحقوق الإنسان الفلسطينية لا ينبغي أن تُموَّل من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.

‏بالنسبة لإسرائيل، تبدو مبررات المساعدات العسكرية أوضح بكثير. فهي تغطي جزءًا كبيرًا من ميزانيتها الدفاعية، ولأن الرؤساء الأميركيين لم يستخدموها بجدية كوسيلة ضغط لتغيير السياسات الإسرائيلية، فقد جاءت عمليًا بلا شروط سياسية تُذكر. ولم يفكر القادة الإسرائيليون يومًا بجدية في التخلي عنها. إلى أن جاء الآن.

‏في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست في 9 يناير، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه يرغب في “التدرّج في خفض” المساعدات العسكرية خلال السنوات العشر المقبلة حتى تصل إلى الصفر. وفي الواقع، كان يتحدث بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تصريحاته اكتسبت معنى حقيقيًا الآن مع بدء المفاوضات حول حزمة مساعدات جديدة مدتها عشر سنوات من المقرر أن تبدأ في عام 2029.

‏لم يتبنَّ نتنياهو حجج المنتقدين، لكنه يقبل على مضض حقيقة أن المزاج في واشنطن يتغيّر. فالدعم الحزبي الواسع الذي كانت تتمتع به المساعدات لإسرائيل يتحوّل تدريجيًا إلى معارضة من الحزبين، ويُعدّ الرئيس دونالد ترامب المعارض الأول لها. ومن الأفضل لإسرائيل أن تقبل بما يبدو حتميًا، وربما تكسب بعض النقاط لدى ترامب من خلال المبادرة في هذا الشأن.

‏ومع ذلك، فإن توقيت خفض المساعدات يبدو غير مناسب ويعد بأن يكون مؤلمًا. فالجيش الإسرائيلي لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء مخزونه من الصواريخ والذخائر بعد حرب العامين الماضيين، بل يزيد أيضًا من عديد قواته في ظل القلق المستمر من تكرار هجوم 7 أكتوبر 2023، واستمرار التهديدات الإقليمية غير المحسومة. ويريد نتنياهو زيادة الإنفاق العسكري بمقدار 80 مليار دولار خلال العقد المقبل فوق مستوى ما قبل الحرب، ما سيرفع الإنفاق الدفاعي إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 4.4% في عام 2022، وهو آخر عام قبل الحرب.

‏بدأت الولايات المتحدة تقديم مساعدات كبيرة لإسرائيل في أوائل سبعينيات القرن الماضي في ظل تنامي العلاقات العسكرية بين البلدين واعتبار إسرائيل أصلًا استراتيجيًا. وكانت الأموال آنذاك حيوية لإسرائيل، إذ كان اقتصادها الصغير يعاني من تكاليف بناء جيشها بعد حرب 1973. وفي تلك السنوات، شكّلت المساعدات الأميركية ما يصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. أما اليوم (باستثناء الزيادة في المساعدات خلال حرب غزة)، فإن المساعدات السنوية تقل عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي. وكما قال نتنياهو للإيكونوميست، قد يصل الناتج المحلي الإسرائيلي إلى تريليون دولار خلال العقد المقبل. وأضاف: “لقد بلغنا مرحلة النضج، وطوّرنا قدرات مذهلة.”

‏هذا صحيح، لكنه كان كذلك منذ فترة طويلة. والسبب الحقيقي هو أن إسرائيل وأنصارها في واشنطن يواجهون صعوبة متزايدة في تبرير استمرار المساعدات.

‏لقد وجّهت المجازر في غزة ضربة قوية لمكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي. وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في أكتوبر، بالتزامن تقريبًا مع التوصل إلى وقف إطلاق النار، أن نسبة الأميركيين الذين ينظرون بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي انخفضت 11 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات لتصل إلى 56% فقط، وهو رقم قريب من نسبة الـ 52% الذين ينظرون بإيجابية إلى الفلسطينيين. كما يرى 42% من الأميركيين أن المساعدات ينبغي تقليصها أو إنهاؤها، وهي نسبة تفوق من يؤيدون زيادتها أو الإبقاء عليها عند مستواها الحالي، وفقًا لاستطلاع أجرته الإيكونوميست/يوغوف في أغسطس.

‏من المرجح أن يساعد وقف إطلاق النار واختفاء غزة من العناوين الرئيسية على استعادة بعض من الصورة التقليدية الإيجابية لإسرائيل في الرأي العام، كما حدث بعد حروب سابقة. لكن من غير المرجح أن تعود الأمور بالكامل إلى ما كانت عليه، نظرًا للتطورات الأوسع في السياسة الأميركية

Exit mobile version