نقابة المنتحرين: حرب الحداثيين للظلام بالظلام

عبد الله علي إبراهيم

ملخص
(تدخل حرب السودان عامها الرابع في الـ15 من أبريل ومن عاهاتها المستترة أن قوى الحداثة في “صمود” والتحالف الجذري (الشيوعيين ومن حولهم) وما بينهما يخوضون غمارها بغير علم وثيق بمصطلحها. فعملاً بقول ابن الجوزي “العلم صيد والكتابة قيد” صح القول إن العلم صيد والمصطلح قيد. وسنرى من المفهومات المطلوقة المتداولة في خطاب الحرب مثل الدولة والجيش والإرهاب أنها مقبولة على علاتها وكل ما تبقى أن تحسن رميها وتسديدها لخصمك لينطلق الهرج من عقاله).

قال ألكس دي وال، الضليع في الشأن السوداني، عن الإرهاق الذي ضرب الصفوة السودانية خلال عهد الإنقاذ إنها مستنفدة القوى ترقد أمامها مشروعاتها جميعاً كالجثث تحول دونها ودون شق طريق للمستقبل. وانطبق هذا الوصف على القوى الحداثية ربما بأكثر من غيرها. ولا نحتاج إلى بيان هذا الاستهلاك بأكثر من القول إن نظام الرئيس جعفر نميري وحده (1969-1985) استنفد مشروعاتهم جميعاً. جاء يزبد ماركسية وانتهى يزبد خلافة على المؤمنين وحرق في ما بينهما مشروعات صفوية للاشتراكيين، والقومية العربية، والتكنوقراطية، وللجمهوريين ناهيك بنضوب معاني تلك المشروعات في بياراتها في الغرب أو العالم العربي والأفريقي. وهذا ما حدا بكاتب أن يصف محنة الحداثيين مع مشروعاتهم التي لم يبق منها غير العنوان بالآية القائلة “بئر معطلة وقصر مشيد”.
تدخل حرب السودان عامها الرابع في الـ15 من أبريل (نيسان) المقبل، ومن عاهاتها المستترة أن قوى الحداثة في “صمود” والتحالف الجذري (الشيوعيين ومن حولهم) وما بينهما يخوضون غمارها بغير علم وثيق بمصطلحها. فتجد مثل الدكتور النور حمد، خلافاً لقانون الحرب الإنساني، استباح احتلال بيوت المدنيين لأن جنود “الدعم السريع” أكرهوا على مغادرة معسكراتهم وليس من غطاء لهم من ضربات طيران الجيش إلا تلك البيوت. أو مثل اللايفاتي عزام إبراهيم الذي صرف استنكار ضرب “الدعم السريع” لمحطة لتوليد الكهرباء بأنها الحرب تعركم بثفالها ولا أعراف. وتذكر الناس بهذه الحرب الجرداء تعريف نافع علي نافع، رجل الأمن والدولة الإنقاذي، الذي كان يقول لخصوم دولته “البشاكل ما يقول عوقتني”.
ونعرض في السياق هنا لمفاهيم دائرة وسط الحداثيين حبلاً على الغارب، فهي مطلقة لا يقيدها نظر في مصطلحها لينهض من فوقه نقاش يأوي الناس إليه ويأمنون في ضبطه وربطه. فعملاً بقول ابن الجوزي “العلم صيد والكتابة قيد” صح القول إن العلم صيد والمصطلح قيد. وسنرى من المفهومات المطلوقة المتداولة مثل الدولة والجيش والإرهاب أنها مقبولة على علاتها وكل ما تبقى أن تحسن رميها وتسديدها لخصمك.
تأتي هذه القوى لخطاب الجيش والدولة في الحرب الدائرة إلى محاكمة الدولة، لا بما اصطلح العلم في تعريفها، بل بالاحتجاج عليها بوجهين. فبالوجه الأول أنها عنفت على شعبها تحت حكم الإنقاذ عنفاً ضرج البلد بالدم وأدلجت الجيش لتلك الغاية، أما الوجه الثاني المتصل بالأول فهو أنها لم تكن الدولة الديمقراطية المدنية السعيدة التي أرادوها لوطنهم. وساقت هذه المآخذ الحداثيين إلى دعوة صريحة إلى حل كل من الدولة وتسريح جيشها.
لو نظر هؤلاء الحداثيون في كتاب حداثتهم لعلموا عن الدولة غير علمهم ليومنا الذي اكتفى بالاحتجاج مما ذاقوه من ويلات من دولة الإنقاذ. فالدولة في فقهها الحديث الذي راده عالم الاجتماع ماكس فيبر وكارل ماركس قرينة العنف ولا شرط غاية (مثل أن تكون عادلة أو ديمقراطية مثلاً) سابق لوجودها في “أشراط السيطرة” كما سنرى.
فالدولة عند فيبر وماركس مباءة عنف. فجعلها ماركس أداة عنف طبقي في حين يراها فيبر سلطة شرعية لحفظ الأمن وتطبيق القوانين من طريق احتكارها للعنف. فالجامع الأكبر بين فيبر وماركس هو عقيدتهما في مركزية الشوكة والسيطرة في أداء المجتمع لوظائفه. فكلاهما يرى أن علائق القوة هي ما تتصف به البنيات الاجتماعية والمؤسسات وأنها، أي هذه العلائق، مما يعين في تعريف سبل تفاعل الناس بعضهم بعضاً وتشكيل تلك السبل. وطالما كانت الدولة مباءة عنف صارت إشاعة الدولة لأيديولوجيتها في الجيش والتعليم والإعلام من لزوم ما يلزم لفرض سلطانها على الرعية. فيرى ماركس أن الدولة تشيع أيديولوجيتها التي تبرر بها للوضع الحاضر الذي هي سيدة الأمر فيه. واتفق لفيبر من جهة أدلجة الدولة دورها في تشكيل الأعراف الاجتماعية. فاحتجاج حداثيي السودان على عنف دولة الإنقاذ هو احتجاج مما ليس منه بد في الدولة تعريفاً.
ساق احتجاج الحداثيين على عنف دولة الإنقاذ إلى فهم الدولة لا تكون به إلا مدنية ديمقراطية وإلا فلا. فبمثل هذه المحاكمة للدولة جعل الحداثيون للدولة غاية كأن تجسد برامجهم السياسة للحكم المدني الديمقراطي التي قاوموا دولة الإنقاذ من أجلها وأسقطوها. فلا تكون الدولة الحديثة في رأيهم إلا بالديمقراطية، فربطهم للحداثة بالديمقراطية خطأ بين، فالديمقراطية ليست سوى واحدة من ضروب التعاقد السياسي في الدولة الحديثة، فتكون الدولة الحديثة على حداثتها كيفما تعاقد الناس فيها.
وغائية الدولة، مثل أن يكون الهدف منها العدل بين الناس في الدولة الدينية أو الاشتراكية، مما لم يعد الشاغل في علم اجتماعها كما كانت الحال قبلاً. وجاء فيبر بهذه القطيعة مع هذه الغائية، فعرف الدولة بأنها التي لها حصرياً احتكار استخدام القوة على أبدان أهلها. ونأى بهذا التقرير من الخوض في حكم القيمة على الدولة من جهة سياساتها وأخلاقياتها لأن مدار ذلك نزاع الخلق حول ما تكون طبيعة الحكم عليهم. وما تبقى للعلم بعد ذلك هو أن يدرس الوسائل التي تستخدمها الدولة التي لها، دون سواها، توظيف القوة على من هم تحتها، أو ما يطلق عليه فيبر “أشراط السيطرة”.
وبعبارة، تخلص فيبر من حمولة تعريف الدولة بالغاية الأخلاقية منها التي رأيناها تستولي على العقول الحداثيين فينا. وكان الأهدى أن يدرسوا “أشراط السيطرة” هذه في دولة الإنقاذ مثل التمكين وبيوت الأشباح والخدمة الإلزامية وقانون النظام العام وغيرها لتعزيز الوعي ببرنامجهم للتقدم والديمقراطية، وتثقيف التغيير ليقع بدماثة ومتانة وفطانة لا في مثل الهرج الذي اكتنف دولة ثورة 2018 وطوى صفحتها بصورة معجلة.
كانت دراسة “أشراط السيطرة” هذه مما يلي الحزب الشيوعي السوداني بمراسه الطويل في تطبيق الماركسية على الواقع السوداني دون غيره. ولكن لم تسعفه ماركسيته ليرى أن أيديولوجية الدولة حق وأنها ما تشيعه في القوات المسلحة وسائر مؤسسات الحكم. فاشتكى في بيان خلال ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 من التمكين الحزبي لدولة الإنقاذ الذي شوه القوات المسلحة وحولها وغيرها إلى “مؤسسات عقائدية أيديولوجية ذات ولاء للحركة الإسلامية” وكأن بالوسع، ماركسياً، ألا تكون.
ومن المفارقة أن يأتي تحليل “أشراط سيطرة” الدولة من غير ماركسي هو الدكتور النور حمد، الرمز المعلوم في الحركة الجمهورية، فقال إن الجيش في الإنقاذ تحول من “ميليشيات جهادية” لحراسة مشروع ديني أيديولوجي أحادي، إلى قوة باطشة لحراسة نظام حكم كليبتوقراطي لصوصي، غايته نهب الموارد. وهكذا عين النور كما لم يفعل الشيوعيون الطبقة الاجتماعية من الإسلاميين التي تمكنت من دولة الإنقاذ ليصبح الجيش أداة مكن لها من احتكار السلطة والثورة.
وعلى ما يبدو من غبن الحداثيين على دولة 56 وجيشها إلا أنهم مصابون بما تسميه الأعاجم بـ”منطقة عمى”، أو هم مؤرخون مزورون لحركتهم هم أنفسهم. فهم مضربون عن النزول عند حقيقة أنهم هم في واقع الأمر من سبق غيرهم إلى أدلجة الدولة والجيش معاً في دولة الرئيس نميري (1969-1985)، فتجد النور حمد يؤرخ لأدلجتهما بدولة الإنقاذ عام 1989. فتحول الجيش منذ ذلك التاريخ، في قوله، إلى “مجرد ميليشيات لحراسة حكم الإسلاميين الأيديولوجي الإقصائي”.
ومعلوم أن دولة نميري تبنت الاشتراكية حرفاً ونصاً بحزبها الواحد “الاتحاد الاشتراكي” الذي له الولاية على النقابات والصحافة، ويقسم الجيش فيها على الدفاع عن الدولة الاشتراكية، بل ويجلس قادته برتبهم من أعلى إلى أسفل أعضاء لائحيين في مكتب الاتحاد الاشتراكي السياسي واللجنة المركزية. بل وأبعد سلف الحداثيين في دولة نميري النجعة في أدلجتها، فرهنوا تحديث الدولة بالجيش لجريان الحداثة في مسامه. فعلى الجيش عندهم التكلان في التغيير الجذري للنظام القديم للطبقة المحافظة التقليدية المتصف بالشقاق السياسي وبالنزاعات القبلية والطائفية. فجعلوا العسكريتاريا، في مصطلح زمانه، كطليعة في مقام “البروليتاريا” عند الماركسيين.
وفي شعواء هذا التنصل عن الحداثة لم تعد قوانا الحداثية تلقي بالاً لمطابقة الواقعة للمفهوم ما خدم المفهوم غاية لها. فلم تتوقف أخيراً عند موافقة مفهوم الإرهاب على “الكيزان” ما دام أوجع خصمهم وأجزعه. وحين لم يعد المفهوم لجاماً للظاهرة صار لائحة عقوبات. فاستبعد وجدي صالح، من قادة حزب البعث الاشتراكي ومن رموز لجنة تفكيك تمكين دولة الإنقاذ، تصنيف قوات “الدعم السريع” جماعة إرهابية على رغم قوله بفظاعة ما ارتكبت من جرائم لأن مثل هذا التصنيف قاصر على المنظمات المدنية لا الكيانات العسكرية مثل “الدعم السريع” التي تحكمها اتفاقات جنيف الأربعة للحرب وملاحقها.
وصح السؤال هنا: منذ متى اتفق لوجدي وجماعته من ثوار 2018 أن “الدعم السريع” منظمة عسكرية وهم من شقوا لهاتهم يبشعون به كـ”ميليشيات لا تحكم دولة” حتى قرروا التخلص منها بدمجها في الجيش في اتفاقهم الإطاري خلال يناير عام 2023. فإذا صار “الدعم السريع” في يوم الحداثيين هذا منظمة عسكرية فهذه استدارة 180 درجة لا تفسير لها سوى أنها كسبه المؤكد من الحرب.
وهذا الكسب من الحرب الذي لوى به قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو (حميدتي) أيدي قوى الحداثيين لتعترف به قوة عسكرية مستقلة في لب تعريف الإرهاب. فتجتمع تعريفات الإرهاب في القوانين الغربية على اعتبار أفعال الإرهاب هي تلك التي يقوم بها قائم يريد مغنماً سياسياً أو دينياً أو أيديولوجياً ويترتب عليها موت أو إيذاء جسدي بليغ للمدنيين أو غير المحاربين. وتقع صفة الإرهاب حين يكون الهدف من هذه الأفعال هو ترويع السكان، أو أن تفرض على الحكومة القيام بأمر ما أو الامتناع عنه. وكان مطلب حميدتي لـ”الدعم السريع” منذ تأسيسه خلال عام 2017 أن يكون جيشاً ثانياً وهو ما لم تتفق ثورة 2018 معه فيه فانتبذته كميليشيات وطالبت بدمجه في القوات المسلحة كما تقدم.
وكانت الحرب هي سبيل “الدعم السريع” للتمسك لا يزال بحقه في أن يكون جيشاً بذاته. وروع في حربه المدنيين دون العسكريين كما صار معروفاً للجميع. فلا دلالة لمأتى وجدي بآخرة لينفي الإرهاب عنه لأنه جيش نظامي سوى القول إن “الدعم السريع” ربح البيع، أي حصول حميدتي على مغنمه بالإرهاب.
حذر مارتن لوثر كنغ من أن يحارب المرء الظلام بالظلام. وبدا من الحداثيين أن حربهم هذه هي حرب الظلام بالظلام لأنهم أطفأوا نور الحداثة بأفواههم. فليس لدعوتهم إلى حل الدولة من سبب إلا لأنها كانت في عهد الإنقاذ، تعريفاً، ما كانت حيث كانت الدولة. ولو فتحوا كتاب حداثتهم لجاءوا لأزمتها بغير تغابن المعارضة الذي يغذي الثأرية فيهم ويمحق بركة الرؤية. فارتكبوا بالثأرية الغبين هذه خطة الثورة المسلحة مع العقيد قرنق خلال عام 1985 وما بعده مغادرين ساحة ديمقراطية ليبرالية لم تأت بهم إلى الحكم بالاقتراع العام. وكانت تلك تراجيديا، وها هم يرتكبون في يومنا خطة القضاء على دولة 56 من وراء “الدعم السريع”، وهذه مسخرة، أو حرب الظلام للظلام، أو الانتحار من شاهق.

Exit mobile version