يتذكر الناس الطفلة (بوليغ) والتي أصبحت توثيقا لحقبة زمنية في تأريخ الوطن ويتجدد صدى كلماتها بعد الزيادة التي طرأت في الخبز مؤخرا فصارت اربعة رغيفات بألف جنيه …وعندما ثارت بوليغ واحتجت قفزت الرغيفة من نصف جنيه لجنيه …والآن ب 250 جنيه !!! وعندما ثار الديسمبريون واقتلعوا الانترلوك وأنجزوا المتاريس في الطرقات كان جالون البنزين ب28 جنيه والآن تجاوز العشرون ألف جنيه!!! وعندما ثارت بعض النخب الحزبية ودعوا للاتفاق الاطاري كمدخل للسلام ادخلنا في حرب ودمار لم تشهد له البلاد مثيلا… هل هذه المفارقات الغريبة وليدة حقبة واحدة أم هي تناقضات الشخصية السودانية المثقفة والتي هي كما قال المصري متعجبا…( شارع الحرية ..ينزل بك في السجانة ! ) هل صدق منصور خالد عندما إنتقد النخب السودانية في كتابه “النخبة السودانية وإدمان الفشل” الصادر في عام 1985، حيث يرى أن هذه النخب فشلت في تحقيق التغيير المنشود والتنمية والإستقرار ويشير إلى أنها تركز على السلطة والمال، وتغفل عن القضايا الأساسية التي تؤثر على حياة المواطنين !! أليس غريبا أن تجد أحزابا تدعو للديمقراطية في الحكم والدولة ولا تمارسها داخل أحزابها ؟ أليس غريبا أن يسجل حزب وطني وهو يدعو للإتحاد مع دولة أخرى وهذا سبب تسميته؟ أليس غريبا لولاية آمنة مطمئنة أن تنشأ بها عشرات حركات عسكرية تطالب بالتنمية و النهضة وحصدت الولاية من نضالها هذا الدمار والخراب والتشريد و سفك الدماء وتحصلت على مئات ملايين الدولارات وحولتها للسلاح والقتال ولم تشيد فصلا دراسيا ولم تزرع فدانا واحدا !!! أليس غريبا في بلدنا أن نكافئ من صرح بأنه كان خلف حصار البلاد لسنوات وتسبب الحصار في هلاك الأنفس والزرع والرضع وتخلف البلاد ومسغبتها ونضعه في قيادة علاقاتنا الخارجية ونفوضه للتفاوض مع أعداء بلدنا رغم انه يحمل ذات جنسية العدو ؟ أليس غريبا في بلاد بها ملايين خريجي الجامعات وآلاف حملة شهادات الدكتوراه والشهادات العليا أن يرأسها في حقبة ما شخص أمي ويترأس لجنتها الاقتصادية ؟ أليس غريبا أننا نحتفل بالذكرى السبعين لإستقلالنا ولم نتفق على دستور نحتكم إليه وننطلق منه لوحدتنا ونهضتنا؟ والأغرب أننا كافئنا بمن رفع علم استقلالنا بالسجن حتى مات فيه !! أليس غريبا أننا نتفاخر كشعب بالنزاهة ونعلي قيم الصدق والخلق والطهر و لم تنجح لنا مفوضية لمكافحة الفساد والأغرب أننا نتكتم على قضايا الفساد ولا نعلن تقرير المراجع العام ( رغم رفع شعارات انتهى زمن الغتغتة والدسديس!) ويسود في مجتمعنا وفي نظر الناس الشريف السارق !! إننا لا يمكن نتجاهل أننا كسياسيين وكشعب نحتاج لمراجعات وإصلاح وبدايات جديدة وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم …لنلفظ كل الصفات الذميمة ولنعاهد شباب الكرامة ومن جادوا بدمائهم وسقوا شجرة الوطن بأنها ستنمو باذخة وظليلة ومثمرة خيرا وعدلا وأمنا وأمانا . وألا تعتقدين يا ابنتي ( بوليغ ) أنك تحتاجين أن تصرخي في هذه النخب …ما بالغتوا….بوليغ