وصلني تسجيلٌ صوتي من قارئٍ عن طريق صديقٍ مشترك ينتقد فيه مقالتي الأولى عن العبارة المثيرة التي أطلقها سفيرنا في الأمم المتحدة، الحارث إدريس، فملأت الآفاق، ثم مقالتي الثانية التي كتبتُها ردًّا على من خالفوا رأيي في المقالة الأولى.
وقد ذهب القارئ المحترم إلى شيءٍ قريبٍ ممَّا قاله صديقٌ آخر صباح اليوم نفسه عن أن عبارة الحارث حرَّكت ساكنًا، وأسهمت في ذيوع القضية إعلاميًا.
بادئ ذي بدء، لم يكن موضوع الذيوع محلَّ شكٍّ عندي أصلًا؛ بل إنني عِبتُ على العبارة أنها طغت بالضجَّة التي أحدثَتها على مضمون الرسالة.
وقد طرح الحارث في كلمته من موقعه الدبلوماسي أسئلةً مهمَّة ومحرجةً منطقيًا بشأن الإجراءات والمعايير التي يُفترَض اتِّباعها لإثبات استخدام السلاح الكيميائي. وأرى أن تلك الأسئلة قد وضعت الطرف الآخر أمام استحقاق تبرير الأسس الواهية التي يستند إليها في اتهاماته، وتوضيح المعايير التي بنى عليها موقفه.
ثم جاءت العبارة؛ فماذا حدث؟
لم تُضِف العبارة حجَّةً جديدة إلى ما سبقها، بل حوَّلت المندوب الدبلوماسي إلى نجمٍ إعلامي رقمي. وقد أعَدتُ سماع الكلمة مِرارًا، فلم أجد رابطًا واضحًا بين قوة مضمونها وانتقالها المفاجئ من حديثٍ جادٍّ ورصينٍ عن السلاح الكيميائي إلى إساءةٍ غير مفهومة لمعظم الجمهور العربي خارج سياقها.
ومن المعلوم من الناحية الأسلوبية والبلاغية أن خاتمة الحديث يُفترَض أن تكون ذروة الرسالة وأشدُّ مواضعها تأثيرًا في سياق المقام. فما علاقة العبارة بمضمون الرسالة، وأبرز ما فيه قضية السلاح الكيميائي؟
والأعجب أن كثيرًا من المُحتفين بالأثر الإعلامي للعبارة لم يتوقَّفوا عند السؤال الأهمِّ: ثم ماذا بعد العبارة؟
هل سيعود الحارث إلى القاموس في كلِّ جلسةٍ بحثًا عن عبارةٍ أخرى تُحدِث الأثر نفسَه؟ وماذا لو لم يجدها؟
لقد نجحت العبارة في صناعة أثرٍ إعلامي خاطفٍ، لكن الطفرات الأسلوبية لا تصلح أن تكون منهجًا. وقد اكتسبت هذه العبارة أثرها من عنصر المفاجأة، ومن صدورها في مقامٍ رسمي، فالتقطها الناس وحوَّلوها إلى مادَّةٍ سهلة التداول. غير أن محاولة تكرارها تفقدها عنصر المفاجأة، وتُحوِّل ما كان استثناءً إلى أسلوبٍ متكلَّف، وربما إلى ابتذالٍ.
كما أن الحاضرين في مثل هذه القاعات ليسوا جمهورًا على مواقع التواصل الاجتماعي حتى تتزحزح مواقفهم بعبارةٍ لافتة؛ بل إن أقصى ما قد يصل إليهم من العبارة عبر الترجمة وما يصاحبها من فاقدٍ في الدلالة الثقافية والسياقية قد لا يتجاوز كونها إساءةً لا تُضيف إلى الموقف من الناحية الموضوعية شيئًا.
استدلَّ القارئ المحترم بأن شخصًا أردنيًا أعجبته العبارة، واعتبر ذلك نجاحًا؛ لكن الإعجاب الذي حصدته العبارة في الفضاء العربي لا يُجيب عن السؤال الذي يهمُّ الدبلوماسية: هل أحدثت أثرًا في مواقف الأطراف التي كان الخطاب موجَّهًا إليها؟
مهمَّة الحارث الأولى هي أن يُؤثِّر في مَن يجتمع معهم قبل أن يُؤثِّر في مَن يشاهد المقطع بعد ذلك على هاتفه. وعندما يصبح انتقال العبارة إلى الفضاء العام هو الغاية، تكون الدبلوماسية قد انحرفت عن وظيفتها إلى صناعة المحتوى.
وممَّا أرى، فإن القارئ وصديقي الآخر قد اختلط عليهما الأثر الإعلامي للعبارة بالوظيفة الرئيسية للمبعوث الدبلوماسي، التي تتمثَّل في بناء الحجَّة، وتثبيت الوقائع، وفحص المعايير ومساءلتها، وحشد المواقف وإقناع الآخرين. وهذه وظائفُ لا تُنجَز بومضةٍ لغويةٍ في غير مقامها، بل تتطلَّب جهدًا تراكميًا ونَفَسًا طويلًا غايتُه في النهاية تقوية الموقف الحكومي، وحشد التأييد له، والسعي إلى إحداث اختراقاتٍ في المواقف الدولية.
وإذا بدأنا بالجانب الدبلوماسي، فهل كانت العبارة جزءًا من موقفٍ جرَى إقراره مسبقًا ضمن الرسالة الدبلوماسية، أم كانت ارتجالًا وليد اللحظة؟
ومَن لهم خبرةٌ بالمجال يعلمون أن الدبلوماسي لا يُعبِّر عن موقفٍ مستقلٍّ، بل يعمل في إطار مواقفَ وسياساتٍ تُصاغ على مستوى الدولة، وأن البعثات تُزوَّد بالخلفيات والحجج ونقاط التباحث التي ينبغي التركيز عليها في كلِّ قضية لضمان قدرٍ من الاتساق في المواقف والتصريحات مع ترك مساحةٍ محدودةٍ جدًا للاجتهاد تفرضها طبيعة اللقاء والسياق. وتُحدَّث هذه المواد والمواقف دوريًّا بحيث يظلُّ ما يقوله السفير أو المبعوث في عاصمةٍ ما منسجمًا مع الموقف الذي تُعبِّر عنه بعثة الدولة في عاصمةٍ أخرى. وليس المقصود بالاتساق أن يتحوَّل الدبلوماسي إلى قارئٍ لنصٍّ محفوظ، بل أن يظلَّ اجتهاده في حدود ما يخدم الموقف الذي كُلِّف بتمثيله، لا أن ينشئ موقفًا جديدًا من عنده.
أمَّا من الناحية الإعلامية، فلا أتفق مع ما قاله أحد الأصدقاء من أن العبارة كسرت حصارًا إعلاميًا؛ فما يحدث في تقديري هو أقرب إلى قصورٍ إعلامي حكومي كبير أشار له القارئ المحترم، وخاصةً على المستوى الدولي. والسبب ممَّا أرى هو العجز عن الفعل، واستصعاب المهمَّة، وإضفاء قدرٍ من التعقيد عليها يفوق ما تستحقُّ، وربما النظر إلى ما تتطلَّبه من مواردَ وإنفاقٍ باعتباره عبئًا لا ضرورة له.
ولعلَّ هذا القصور يُفسِّر جانبًا من الاحتفاء الكبير بالعبارة، التي أظهرت من حيث لا يُراد لها حجم الحاجة إلى حضورٍ إعلامي حكومي فاعلٍ في الساحة الدولية؛ فعندما يصبح تعبيرٌ عابر هو الحدث الأبرز في كلمةٍ دبلوماسية، ويكون انتشاره على وسائل التواصل هو الأثر الأكثر وضوحًا له، فإن ذلك يكشف عن غياب أدواتٍ أخرى كان يمكن أن تجعل القضية نفسَها حاضرةً على نحوٍ مستمرٍّ في الإعلام الدولي.
وقد أشرتُ في مقالتين سابقتين إلى مقالات رأي للفريق البرهان في صحفٍ عالمية مهمَّة، وإلى ردٍّ للسفير السوداني بلندن على مقالةٍ للدكتور عبد الله حمدوك في صحيفة “فايننشال تايمز”، واعتبرتُ ذلك نهجًا يستحقُّ الإشادة والاستزادة.
على أن الملاحظة الأكثر جدارةً بالاهتمام هي أن هذه العبارة كشفت لنا مدى تحفُّزنا للإثارة واحتفائنا بالصوت العالي على حساب الرصانة والمنطق حتى في مواقعَ يُفترَض أن يكون التحلِّي بهما من صميم الوظيفة. فقد اعتدنا في خطابنا السياسي والإعلامي أن نكافئ العبارة الصاخبة، وأن نحتفي بالحلقوم الكبير وكأنَّه دليلٌ على قوَّة الموقف. وأخشى ما أخشاه أن تتسرَّب هذه العدوى إلى الدبلوماسية، فتتحوَّل هي الأخرى شيئًا فشيئًا من مجالٍ لصناعة المواقف وبناء الحجج إلى مساحةٍ للتباري في الاستعراض وإبراز الذات.
فرفقًا بالحارث؛ لا تخلعوا عنه ثوبه الدبلوماسي لتُلبسوه ثوبَ “السوخوي” الإعلامي، ولا تُحوِّلوه إلى “مدفعجي” ينتظر الناس منه أن “يُدبِّل” لخصومنا في أروقةٍ سلاحُها الإقناع، وعدَّتُها المنطق، وميدانُها مقارعةُ الحجَّة بالحجَّة!