رأي

نحو ثورة مجتمعية ( بعيدا عن السياسة)

د.نهلة صالح إسماعيل سكر

الشاهد في الأمر، وكما تبينه مجريات الأحداث والتجارب، ومن وجهة نظر سيكولوجية إجتماعية بحتة، أنه من أهم المشاكل الحقيقية التي يواجهها سوداننا المكلوم ويتجاهلها الكثيرون من القادة والساسة وولاة الأمر القائمين على نهضة وإعمار البلد ، والتي نراها من اقوى الأسباب المعيقة لنمو السودان وتطوره هى وبكل أسف موارده البشرية ” إنسانه “، بطريقة تفكيره وتحليله للأمور المتأثرة بعمق بأساليب التنشئة الإجتماعية والثقافة التربوية وانماطها التقليدية المتحجرة في بعض المناحي الفكرية والثقافية، وعليه فإننا نرى أن المشكل الحقيقي ليست في إنك كوز او قحاطي أو إتحادي او حزب أمة، شيوعي، او إعلامي، او فنان … الخ، من مسميات وتصنيفات بل المشكل الحقيقي يترتب على إنسان هذه المجتمعات وأسلوب التفكير في بعض الإمور وطرق تحليلها.
بعد تعرية تلك المسميات كوز او قحاطي، فنان مغني شيوعي ،…الخ فإننا نجد أن العامل المشترك بين كل هؤلاء هو الجنسية السودانية والتي تربط بينهم جميعا رغم الإختلافات والعداءات السافرة بينهم كأنهم الغرباء والاعداء وهو ما يضعف الحالة الوطنية والجنسية السودانية التي تربط بينهم، فتبكي الأرض حزنا على ابنائها الأعداء والذين يفجرون في العداء فيما بينهم. الأرض هى بمثابة الأم والوطن هو بمثابة الأب وتلك الديار المتصارع أبنائها فيما بينهم عداء وبغضا مؤكد انها ديار منهزمة مفتتة ضعيفة. إذن تكمن المشكلة في تكوين الشخصية وليس الإنتماء للحزبية او القبلية، فإذا ما أحسن نمط التفكير الذي يندرج عليه شعور وسلوك الفرد يمكننا أن نجد كوز محب لوطنه ويعمل على ذلك وولائه وإنتمائه للأرض والوطن قبل الحزب والمصالح الشخصية،ايضا قد نجد قحاطي، شيوعي،إتحادي ..الخ من مجموعات إنسانية محبة لمصلحة الوطن لا للحزب والمصالح الشخصية التي تندس في العمق والباطن وتظهر للعيان بثوب حب الوطن والزود عنه. إذن المشكل الأساسي ليس الحزب او القبيلة بقدر ما هى نمط التفكير وأسلوب الحياة والسلوك المتبع نتيجة لتلك الأفكار والثقافات المتبعة التي صنعت هذا الإنسان الذاتي الأناني المادي فأنتجت الفقر والجهل، لذلك دائما ما نجد العداء السافر بين المختلفين كأنه إختلاف شخصي يراعي مصلحة الفرد اولا ثم الانتماء اخيرا للمجتمع والوطن. ولنا مثال حي في حرب السودان وما فعله السودانيين في بعضهم البعض من أبناء وطنهم وجلدتهم.
هذه الأنماط الثقافية والتربوية والتنشئة الإجتماعية، اثرت كبير الأثر في بناء وتكوين الشخصية السودانية وإنعكس هذا التأثير في الطموحات والأمنيات التي تعكس تأثير الفقر المجتمعي المادي والثقافي والبيئي، حتى التعليم لم يستطيع محو تلك الثقافات المتجزرة في العمق والجزور، فالجميع يخاف الفقر الفقير وغير الفقير ذلك لان السمة الغالبة على المجتمع هى الفقر ومن ثم نجد أن الفقر ثقافة انتشرت في مجتمع غالبية افرداه يعيشون تحت خط الفقر، لذلك غالبا ما نجد نظرتنا العامة للرفاهية والثراء غالبا ما تكون نظرة سطحية مادية لا ترتقي إلى المستوى الإنساني، فعادة ما نجد النظرة الذاتية ذات العداء السافر وإنتقاص الآخر سيدة الموقف خصوصا في الفترة الاخيرة، نجد هذه المعايير في ازدياد ووضوح غير معهود كل هذه المفردات ماهى إلا تعبير صريح لثقافة الفقر والجهل والخوف التي يعيشها المواطن السوداني في ازماته ومعاناته اليومية، ذلك الفقر الذي يحيط بنا ثقافيا وفكريا ويعاني منه أكثر من ٨٠% من المواطنين الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر رغما عن وجود الاثرياء القلة ومتوسطى الدخل الذين لم يكن ثراءهم او مستوى المعيشي المتوسط ذات تأثير على المجتمع الغالب عليه الفقر والجهل ومن ثم انتشرت ثقافة التفكير الفقير وسلوكياته السلبية، وبالتالي بات السودان فقيرا بابناءه الفقراء وثقافتهم الفقيرة المنتشرة وسط الجميع.
التخلف والفقر ما هما إلا نمط حياة له دينامياته النفسية والعقلية والعلائقية، والإنسان المتخلف فكريا تجاه الإنسانية والفقير سلوكا، ينشأ تبعا لبيئة إجتماعية معينة فيصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيها، فهو يعزز هذه البيئة ويدعم إستقرارها ويقاوم تغيرها وإن تعلم ووصل لأعلى المراتب وذلك لارتباطها ببنيته النفسية وعقله الباطن فهو لا يستطيع أن ينفك ويهرب من تلك الثقافات. لذلك لن يتغير المجتمع إلا بتغير انسانه وأسلوب تفكيره وثقافته المعيقة. التغير الإجتماعي وتجاهل هذه الحقيقة من قبل علماء التنمية الإجتماعية ومن وراءهم القادة والسياسيين وأصحاب القرار في عمليات التغير الإجتماعي أدى إلى هدر الكثير من الجهد والوقت.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى