تحليل مقارن: بيتر وودوارد، عبد الله علي إبراهيم، ومنصور خالد
د.ناهد محمد الحسن
إذا استعرنا مجاز “المركبة السودانية” المتعطلة، فإننا لا نجد أنفسنا أمام عطل عابر، لكن أمام تناقض بنيوي في تصميمها الأصلي. سنقوم هنا بتشريح هذه المركبة عبر ثلاث زوايا نقدية: بيتر وودوارد الذي يحلل “هيكل المحرك” (البنية)، عبد الله علي إبراهيم الذي يحلل “نظام التشغيل” (العقل المعرفي)، ومنصور خالد الذي يحاكم “السائق” (الفعل النخبوي).
أولاً: بيتر وودوارد.. الدولة كـ “تصميم غير مستقر”
لا يكتفي وودوارد في أطروحته “الدولة غير المستقرة” برصد الانقلابات، وانما يقدم قراءة بنيوية ترى أن الاستعمار البريطاني ترك للسودان “دولة متضخمة” فوق مجتمع “غير مدمج”¹.
ويستند تحليله إلى تقاليد المؤسسية (Institutionalism) في العلوم السياسية؛ أي المدرسة التي ترى أن سلوك الدولة لا يُفهم من خلال النوايا الأخلاقية للنخب، ولكن من خلال تصميم المؤسسات وقواعدها الضمنية. الدولة عند وودوارد ليست فاعلاً أخلاقياً، وانما بنية ذات منطق داخلي يعيد إنتاج نفسه.
عجز الاحتواء
يرى وودوارد أن الخلل يكمن في هندسة “الاحتكار”؛ حيث صُمم المحرك ليعمل في “المركز النيلي” فقط، بينما تُركت “الأطراف” كخزانات للموارد أو مناطق للضبط الأمني². هذا الاختلال البنيوي يجعل الدولة السودانية في حالة “بحث دائم عن الاستقرار” دون جدوى؛ لأن التصميم نفسه يقوم على إقصاء الوقود الحقيقي للمحرك (الجماهير في الهامش)³ ¹.
وهنا يرتبط مفهومه عن الدولة غير المستقرة (Unstable State) بنقاش أوسع في الأدبيات المعاصرة حول هشاشة الدولة (State Fragility)؛ حيث تُعرَّف الدولة الهشة بوصفها دولةً تحتكر العنف شكلياً لكنها تفشل في دمج المجتمع داخل شرعية مستدامة.
كما يقترب تحليله من أطروحات تشارلز تيلي (Charles Tilly) حول العلاقة بين الحرب وبناء الدولة؛ فالدولة الحديثة في أوروبا تشكلت عبر صراعات خارجية عززت تماسكها الداخلي، بينما في الحالة السودانية ظلت الحرب تفكك الدولة بدلاً من أن تبنيها.
نقد مضاد ورد عليه
قد يُنتقد وودوارد بأنه “حتمي بنيوي”، لكن الرد يكمن في أن “عدم الاستقرار” عنده ليس قدراً جينياً، بقدر ماهو نتيجة لـ “عطالة المؤسسات” التي ورثت أدوات القهر الاستعماري دون أن ترث شرعيته¹.
ثانياً: عبد الله علي إبراهيم.. الدولة كـ “عقل مانوي”
ينتقل د.عبدالله علي إبراهيم من “الهيكل” إلى “الإبستمولوجيا”؛ فالمشكلة عنده ليست في “من يحكم”، وإنما في “بأي عين يرى الحاكم شعبه؟”⁴.
عبد الله يتحرك داخل تقاليد مدرسة ما بعد الاستعمار (Postcolonialism)، حيث لا تُفهم الدولة بوصفها مؤسسة إدارية فحسب، ولكن كجهاز إنتاج معنى وهيمنة رمزية.
الدولة كجهاز إنتاج معنى
عبد الله لا يحلل الدولة كمؤسسة، لكن كـ جهاز إنتاج معنى.
فالدولة عنده ليست كيانا يدير المجتمع فقط، وإنما آليه تعيد تعريفه ايضا.
القطيعة المعرفية: يرى (إبراهيم) أن الدولة السودانية تُدار بـ “عقل الأفندي” الذي استبطن “قلم ماكمايكل”⁵ ⁴؛ أي المنطق الذي يرى في الثقافة المحلية (الخلوة، العرف، القبيلة) “عائقاً” أمام التحديث.
هنا يمكن قراءة أطروحته ضمن مفهوم العنف المعرفي (Epistemic Violence)؛ أي العنف الذي يُمارَس عبر فرض تعريف واحد للحداثة والشرعية، وإقصاء أنماط المعرفة المحلية⁶ ⁷.
الدولة هنا ليست “وعاءً محايداً”، بقدر ما هي “مشروع تعريف” إقصائي يمارس وصاية معرفية تجعل المثقف يرى مجتمعه كـ “موضوع للإصلاح” وليس كـ “شريك في السيادة”⁶ ⁷.
خلاصة فكرية
“السيادة عند إبراهيم تبدأ بكسر المانوية المعرفية؛ فالدولة التي تحتقر ‘بركة’ مجتمعها لن تملك أبداً ‘هيبة’ حقيقية”⁴.
ثالثاً: منصور خالد.. النخبة و “إدمان الفشل”
يضع الراحل د.منصور خالد “الفاعل السياسي” أمام مرآة المسؤولية التاريخية؛ فالدولة لا تفشل من تلقاء نفسها، وإنما “يُفشلها” قادتها⁸ ⁹.
لكن منصور لا يمثل مجرد غضب أخلاقي، فهو مفكر يتحرك داخل تصور يمكن وصفه بـ:
الإصلاحية الليبرالية (Liberal Reformism)، وبناء الدولة الحداثي (Modernist State-building)
هو يتبنى رؤية ترى أن الحل يكمن في تحديث مؤسسات الدولة، وترسيخ دولة القانون، وبناء إدارة عقلانية فعالة.
غياب التخيل الوطني
يرى د.منصور خالد أن النخبة السودانية تعاني من “قصور في التخيل”؛ فهي نخب “إجرائية” تجيد الصراع على الكراسي لكنها تفتقر لـ “الرؤية الكلية”⁹.
إدمان الفشل هنا هو “عجز عن التعلم”؛ حيث تكرر النخبة ذات التحالفات المأزومة وذات الارتهان للخارج، مما يحول الدولة إلى “غنيمة” لا إلى “عقد اجتماعي”⁸ ⁹.
رابعاً: التركيب النظري.. لماذا انفجر المحرك في 2023؟
الحرب الحالية هي “لحظة الحقيقة” التي التقت فيها الإخفاقات الثلاثة:
بنيوياً (بيتر وودوارد): انهار التوازن الهش بين الجيش والمليشيا، مما أثبت أن “احتكار العنف” في دولة غير مستقرة هو وهم مؤسسي² ¹⁰.
معرفياً (عبدالله علي إبراهيم): انفجر “الهذيان المانوي”؛ حيث تحول الصراع من خلاف سياسي إلى “حرب وجودية” تغذيها الكراهيات التي زرعها العقل الإقصائي للدولة¹¹.
نخبوياً (د.منصور خالد): تجلى “إدمان الفشل” في عجز القوى المدنية والعسكرية عن التوافق على “الحد الأدنى” للبقاء⁸ ¹².
خامساً: أفق الحل.. نحو “سيادة تكاملية”
لا يكفي “إصلاح المحرك” (وودوارد) دون “تغيير نظام التشغيل” (إبراهيم). كما لا يكفي “تغيير السائق” (خالد) دون “إعادة تعريف وجهة الرحلة” (العقد الاجتماعي الجديد).
إن “وحدة القوى المدنية” ليست تحالفاً تكتيكياً، بقدر ماهو ضرورة “ترميم السيادة” عبر دمج البنية والعقل والفاعل في مشروع وطني واحد يتجاوز إرث ماكمايكل وإدمان النخبة⁶ ⁸.
ملاحظة: كنت اود ان انشر هذا الجزء في ترتيب بعد اجزاء أخرى ولكن فضلت نشره الان بسبب حوار فتح مع الاخ صبحي اساور