إبراهيم عثمان
جاء في بيان لجنة التمكين أن من بين مهامها: ( ضمان محاسبة الذين اقترفوا أبشع الجرائم في حق الشعب السوداني على مدى العقود الثلاثة الماضية الكالحة التي حكم فيها نظام الإنقاذ، وفي الفترة التي أعقبت انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، وحرب ١٥ أبريل الإجرامية.)
وحول ما إذا كان عمل اللجنة سيشمل “قوات الدعم السريع”، قال وجدي صالح: (إن مهمتها الأساسية هي تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، ولا تتعلق بالقضايا السياسية أو التحيّز لأي جهة)، متسائلًا: (ما علاقة الدعم السريع بعودة عمل اللجنة؟). وأضاف: (نقول للذين يحاولون وضعنا في موضع المحاباة لقوات الدعم السريع إن *موقفنا واضح*، ولن تصرفنا هذه القضايا عن القيام بمهمتنا).
هناك لازمة تتكرر على ألسنة قادة “صمود”، ومؤخراً حزب البعث ــ السنهوري، وهي لازمة (موقفنا واضح)، يحدث هذا عادةً عندما يجتهدون في التقليل من وضوح مواقفهم، والتعبير عنها بشكل غير مباشر، بسبب الحرج:
يتحدثون عن وضوح موقفهم عندما يهربون من الوضوح إلى الضبابية، وما ذلك إلا لعلمهم بأن الصراحة محرجة. ولا يجيبون على السؤال: إذا كان من اختصاص لجنتهم الجرائم في (ثلاثة عقود + ما بعد أكتوبر ٢٠٢١ + ما بعد حرب أبريل ٢٠٢٣)، فما هو سبب استثناء الميليشيا من المحاسبة؟
يربطون الميليشيا بالنظام السابق ربطاً محكماً عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية عن رائمها، بحجة أنه مؤسسها، ثم يفصلونها عنه تماماً عندما يتعلق الأمر بالمحاسبة على الجرائم، باعتبار أنها لم تكن جزءاً من النظام السابق، وبالتالي فاللجنة غير معنية بها.
في ذات الوقت الذي يؤكدون فيه أن مهام اللجنة (لا تتعلق بالقضايا السياسية)، لا يوجد تفسير (غير سياسي) لجمعهم بين القول بأن المحاسبة على الجرائم من اختصاصهم، وسؤالهم الاستنكاري (ما علاقة الدعم السريع بعودة عمل اللجنة؟)!
رغم أنهم يتحدثون عن “استرداد” الأموال، ويؤكدون أن جرائم ما بعد الحرب من اختصاصهم، يصرفون النظر عن أكبر عمليات نهب للأموال العامة والخاصة، وقد اعترف قائد الميليشيا بأنها كانت كبيرة إلى درجة أنها جلبت لهم كراهية الشعب، فلا ينشغلون بالتقصي حولها والسعي لاستردادها!
رغم تعمد عدم المباشرة يظل موقفهم واضحاً تماماً، وهو أنهم ــ رغم تأكيدهم على اختصاصهم “باسترداد” الأموال وبالجرائم قبل الحرب وبعدها ــ يؤكدون عدم اهتمامهم بجرائم الميليشيا، ولا بالأموال التي نهبتها. ولذلك ستحتاج كلمات “المحاباة والتحيز والتسييس” إلى فقدان كامل لدلالاتها لكي لا تصف موقفهم!
استئناف لجنة التمكين لعملها خارج الإطار الدستوري والقانوني القائم، ومن خارج الدولة، يحمل جملة من المخالفات القانونية والدستورية: ادعاء صفة رسمية، ومباشرة اختصاصات سلطة عامة دون سند دستوري أو قانوني. والسعي لممارسة اختصاصات ذات طبيعة تنفيذية وقضائية محجوزة حصراً لمؤسسات الدولة. وإنشاء جسم موازٍ يدَّعي وظائف ذات أثر قانوني على الحقوق والحريات، واتخاذ إجراءات تمس الملكية الخاصة والعامة دون تفويض قضائي مختص. ولو حدث هذا في دولة غير السودان، فالمؤكد أنه كان سيوقع أصحابه تحت طائلة القانون.