مواصلة الحوار مع د.الاقرع و تعقيبي على رده علي.. للمهتمين بالحوار:

رد ناهد
الأستاذ د. معتصم الأقرع… شكرًا على ردّك المهذّب وعلى تخصيص وقتٍ للكتابة والتوضيح. وأقدّر – دون مواربة – القلق الذي يتحرك منه مقالك: قلق الدولة وهي تتآكل، وقلق المجتمع وهو يرى الفراغ يتحول إلى ميليشيا، ثم إلى اقتصاد حرب، ثم إلى أخلاق حرب.
دعني أبدأ من النقطة التي قلتُها صراحةً في تعقيبي ولم أتراجع عنها: نعم، هناك تاريخ طويل من مشاريع إضعاف الدول عبر شقوقها الداخلية، ونعم هناك توظيف خارجي للصراعات، ونعم قد يشارك أبناء البلد – بوعي أو بدون وعي – في خدمة هذا المسار. هذه ليست فكرةً “أصمت عنها” حتى يكون الصمت ردًا؛ بل هي حقيقة ذكرتها لأن إنكارها سذاجة سياسية.
لكن موضع اختلافنا ليس في وجود التدخلات أو في قابلية الدول للخراب حين تُكسر مؤسساتها. اختلافنا في شيء أدق: في معيار التفريق بين “نقدٍ وطنيٍ لإصلاح مؤسسة” وبين “حملة نزع شرعية” تُفضي إلى تفكيك الدولة. حين يصبح مفهوم “نزع الشرعية” واسعًا إلى درجة أنه يبتلع النقد ويشكّك في المجال المدني بوصفه مشتبهًا به ابتداءً، نكون قد أضفنا إلى خطر التفتيت خطرًا آخر: خطر تحويل الخوف إلى منطق حكم، وحصر الوطنية في زاوية واحدة.
وأنا لم أبنِ “نصًا بديلًا” كي أتهرب من فكرة المؤامرة. الذي فعلته ببساطة هو أنني فتّشت في أدوات الخطاب لا في نوايا صاحبه. الخطاب لا يُقاس فقط بصدق المقصد، بل أيضًا بما يفتحه من أبواب وما يغلقه من مساحات. حين تُستدعى ثنائية “عميل/غبي” – حتى لو لم تُوجَّه لكل ناقد – فهي تُنتج مناخًا يضعف المساءلة ويجعل الناس تتراجع عن النقاش خوفًا من الاشتباه. وهذه ليست ملاحظة أخلاقية ولا وصاية، بل ملاحظة سياسية عن أثر اللغة في بيئة حرب تتغذى أصلًا على الشك والتخوين.
وأنت محق في التنبيه إلى أنني استخدمت عبارة “فتنة الشرعية المفتوحة”. المقصود بها ليس أنك تمنح “شيكًا على بياض” صراحةً، بل أن سردية “المؤسسة هي السقف الأخير” حين تُروى بلا شروط واضحة وبلا خطوط فاصلة بين الجيش كجسمٍ وقيادته كفاعل سياسي، تصبح قابلة – في التداول العام – لأن تتحول إلى تفويضٍ ضمني، أو إلى تبريرٍ دائم، حتى لو لم تقصده. نحن لا نكتب في فراغٍ أكاديمي، بل في مجتمعٍ يلتقط الجملة ويحوّلها إلى راية.
ثم إن الاستشهاد بهروب المواطنين من مناطق الميليشيا إلى مناطق الجيش هو وصفٌ إنساني مفهوم، وأنا لا أقلل من حق الناس في النجاة، ولا من حق المرأة أن لا تُغتصب والشيخ أن لا يُهان. لكن النجاة ليست وحدها معيار الشرعية السياسية؛ لأنها تتحرك تحت ضغط الرعب لا تحت شروط العقد. والخوف قد يصنع اختيارًا مفهومًا… لكنه لا يصنع دستورًا. هذه هي الفكرة: ألا تتحول “حاجة الأمان” إلى “ديمومة الوصاية”.
وإذا كان سؤالك المباشر هو: هل تنفين وجود مخطط؟ فإجابتي واضحة: لا. لا أنفي وجود التدخلات والمخططات، ولا أنفي وجود سودانيين يخدمونها. لكنني أضيف سؤالًا ملازمًا: ما الضمانات التي تمنع تحويل هذه الحقيقة إلى مظلة تُخنق تحتها السياسة المدنية وتُتهم تحتها كل محاولة لمساءلة التسييس؟ من دون هذه الضمانات يصبح مفهوم “المخطط” نفسه – رغم صحته الجزئية – أداةً داخلية للصراع، لا أداةً لفهمه.
ما أطمح إليه في هذه السلسلة، وما أظنك تلتقي معي فيه ولو من مكانٍ آخر، هو حماية الدولة دون تقديس مؤسسة، وبناء جيش مهني قوي داخل الدولة لا فوقها، وتجفيف مصادر الحرب لا إدارة الحرب. لهذا أفضّل أن نبقي الخلاف فكريًا: حول المنهج، حول المفاهيم، حول أثر اللغة، وحول الشروط التي تجعل الدفاع عن الدولة دفاعًا عن المجتمع لا دفاعًا عن “الواقع القائم” بوصفه قدرًا.
وأخيرًا، أقدّر لك إشادتك بتهذيبي في الخلاف، وأؤكد أنني لا أكتب ضدك، بل أكتب ضد التبسيط الذي يجرّنا – من حيث لا نشعر – إلى إعادة إنتاج الحلقة نفسها: خوفٌ، ثم تفويض، ثم استبداد، ثم انفجار.
إذا كان من جدوى لهذا السجال، فهي أن نحاول معًا أن نضع معيارًا لا يَظلم النقد الوطني ولا يفتح الباب للخراب: معيارًا يفرق بين إصلاح الجيش وإنقاذ الدولة، وبين شيطنة الجيش أو تسليمه
السياسة. هذا هو الحبل الرفيع الذي إن قطعناه… سقطن



