

ماجده حسن
عزف منفرد
عودة الحياة الي طبيعتها ،لها عدة تمظهرات ،من بينها المشاركات الفنية الرسمية باسم السودان والتي تستدعي دعم المؤسسات الرسمية للفنان السوداني، وان ترى كذلك الفن أصلًا جزءًا من صورة السودان ومستقبله .
لكن اللافت في كل مرة يشارك فيها فنان أو فرقة سودانية في مهرجان أو فعالية خارج البلاد، أن الحديث عن العمل نفسه يتراجع سريعًا أمام سؤال الدعم: من سيموّل السفر؟ من سيوفر التذاكر؟ هل ستجد المجموعة جهة رسمية تقف خلفها؟ وهل ستتعامل المؤسسات مع الفنان باعتباره ممثلًا لبلده، أم باعتباره شخصًا اختار ممارسة نشاط يمكن تأجيله إلى أن تتحسن الظروف؟
المؤلم أن هذه الأسئلة ليست جديدة، ولم تبدأ مع الحرب. الحرب ربما كشفت حجم الأزمة وعمّقتها، لكنها لم تصنعها. فمنذ سنوات، ظلت فرق ومجموعات ومبادرات فنية تصطدم بالأبواب المغلقة، أو تنتظر ردًا يأتي متأخرًا، أو تتلقى الاعتذار الجاهز: «لا توجد ميزانية».
لكن أي ميزانية أهم من أن يصنع فنان صورة مختلفة لبلده في الخارج؟
حين يقف موسيقي أو ممثل أو راقص على خشبة مهرجان دولي، فهو لا يمثل نفسه وحده. يحمل لغته، ذاكرته، موسيقاه، أسئلته، وملامح بلده. وفي بلد أنهكته الحرب والصورة الثقيلة التي تلاحقه في الأخبار، يصبح الفن واحدة من الوسائل القليلة القادرة على تقديم السودان من زاوية أخرى؛ السودان الذي يغني، ويمسرح، ويرقص، ويبدع، ويحلم.
المفارقة أن المؤسسات قد تجيد الاحتفاء بالفنان بعد الإنجاز: شهادة، تكريم، صورة، خطاب جميل. لكنها تتعثر حين يكون المطلوب دعم الطريق المؤدي إلى ذلك الإنجاز. كأن قيمة الفنان تبدأ فقط بعد أن يثبت نفسه بموارده الخاصة، وبجهده، وبمساندة أصدقائه ومبادراته الشخصية.
والأكثر إيلامًا أن الفنانين أنفسهم بدأوا يتعاملون مع غياب الدعم كأنه أمر طبيعي، فينصح بعضهم بعضًا بألا ينتظروا شيئًا من الدولة، وأن يبحثوا عن المؤسسات الخاصة والدولية. ربما يكون ذلك حلًا عمليًا، لكنه في الوقت نفسه اعتراف صريح بانسحاب المؤسسة الرسمية من دورها.
والفن ليس ترفًا يُستدعى في المناسبات ثم يُترك خارج الحسابات. هو ذاكرة، وهوية، ودبلوماسية ناعمة، ومساحة للحياة وسط الخراب. لذلك فإن دعم الفنان ليس منحة شخصية، بل استثمار في صورة السودان وصوته وحضوره. وفي زمن الحرب نحتاج الفن أكثر.
الفنان لا يطلب امتيازًا لأنه فنان، ولا يريد من الدولة أن تصنع نجاحه. هو فقط يريد أن يجدها واقفة إلى جواره عندما يحمل اسم السودان إلى العالم. يريد أن يشعر أن ما يفعله ليس هامشًا يمكن تجاهله، بل جزء من تمثيل وطن كامل.
أن ينجح الفنان بجهده، فهذا فخر. أما أن يضطر إلى أن ينجح رغم مؤسساته، فهذه ليست بطولة الفنان وحده.
إنها، في الحقيقة، شهادة على فشل المؤسسة في الاستماع إلى اللحن الذي يعزفه أبناؤها، ثم الاستغراب حين يسمع العالم ذلك اللحن بعيدًا عنها.