بقلم: خالد التيجاني النور
1
باسم الله تستأنف جريدة إيلاف، صحيفة الاقتصاد السياسي السوداني ومحيطه، مسيرتها بعد انقطاع اضطراري لأول مرة منذ صدورها المنتظم في 29 نوفمبر 2004، بسبب تداعيات وتبعات العدوان الأجنبي الذي تعرضت له بلادنا الذي تولى كبر قادة إمارة أبو ظبي مستخدمة أذرع محلية، لاعبة دوراً وظيفياً خدمة لأجندة المشروع الصهيوني الذي ظل يستهدف وجود ووحدة الدولة السودانية منذ ستينيات القرن الماضي، وهي أجندة معلنة على رؤوس الأشهاد سار بذكرها نتنياهو منذراً بخارطة جديدة للمنطقة من على منصة الأمم المتحدة لا تمس السودان وحده، بل تمس طائفة من دول المنطقة الكبرى.
2
ولا يحتاج الأمر إلى اجتهاد لسوق الأدلة على ذلك، فالعدو الصهيوني لا يفتأ يقر بذلك متباهياً، إذ يعرض في معرض القاهرة للكتاب هذه الأيام ترجمة الأستاذ جمال الشريف لكتاب ضابط الموساد ديفيد بن عوزي الملقب “بطرزان” وعنوانه ” سجل عمليات عميل الموساد في جنوب السودان 1969 – 1971″ وجاءت مقدمة الكتاب بقلم رئيس الموساد الأسبق تسفي زامير الذي قاده من 1968 وحتى العام 1974.
3
ويكشف الكتاب تفاصيل العمليات الاستخبارية واللوجستية التي قدمها الموساد لحركة إنيانيا بقيادة الفريق جوزيف لاقو، الذي سبق له الإقرار بالدور الصهيوني في دعم الحركة، وكتب في مذكراته تفاصيل الاتصالات بين الطرفين، مبرراً ذلك بأن الطرفين يستهدفان عدوا مشتركاً، ومن المؤكد أن السودان لم يستهدف بالتفتيت لذاته فحسب، بل كذلك لتفجير استقرار دول جواره المحيط بفلسطين المحتلة التي تشكل مهدداً وجودياً للكيان الصهيوني.
4
نسوق هذا التحليل ليس بحثاً عن تفسير مريح للنفس يكتفي بإلقاء اللوم على التهديد الوجودي الذي تعرضت لبلادنا جراء عدوان أجنبي على الشعب السوداني كان يستهدف اختطاف الدولة السودانية وتجييرها لأجندة صهيونية، فهو جانب من الحقيقة التي لا تكتمل إلا بالإقرار كذلك بأن القابلية لهذا التهديد الوجودي لبلادنا ما كان لها أن تكون مطمعاً إلا بفعل هشاشة الدولة وطبقتها السياسية، وعجزها على مدار قرن من الزمان منذ نشأة الحركة الوطنية في التواضع على مشروع وطني جامع يتمتّن نسيج المجتمع ويحقّق تطلعات الشعب بكل فئاته في بلد تتحقق في نظامه السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي آيات احترام التنوع، والحرية، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
5
لقد استطاع الشعب السوداني أن يصد بفضل تماسكه ووقفته الصلبة ضد العدوان الأجنبي بدعمه الكامل لقواته المسلحة، وأجهزته النظامية، والقوات المشتركة، والمستنفرين والمرابطين كافة لتمكينها من القيام بدورها ومسؤوليتها في الدفاع عن وجود الدولة والحفاظ على وحدتها وسيادتها، وقدمت في سبيل تضحيات جسام من الشهداء الأبرار، والجرحى، من المدنيين والعسكريين، والنزوح واللجوء القسري. ولا يزال يقدمون المزيد من التضحيات حتى يستعيد الوطن تماسكه وتبسط الدولة يدها على أرجاء البلاد كافة.
6
صحيح أن تحديات جدية مهددة لوجود الدولة تم تجاوزها بفضل كل هذه التضحيات البطولية غير المسبوقة، ولكن مع ذلك فإن المهمة لم تنته بعد، فلا يزال الطريق طويلاً ليس لدرء الخطر الراهن نهائياً فحسب، بل في اجتياز تحدي إعادة بناء المجتمع الدولة على عقد اجتماعي جديد شامل على أسس جديدة، ذلك أنه مهما كان حجم العدوان الخارجي فإنه ما كان ليجد أرضاً خصبة لولا استغلاله لهذا الفراغ العريض في بنية الدولة وطبقتها السياسية المتشاكسة التي جعلتها نهباً لكل طامع، وبدون مراجعة جدية وجذرية وحاسمة لضعف الوعي والسلوك السياسي للسلطة والطبقة المتحكمة، فلن نكون قد خرجنا من هذه الحرب الضروس بعبرة ولا بحكمة، وفي ذلك بوار عظيم.
7
ولن تكون هذا المراجعة حقيقة وجدية بدون أن ينتهي وإلى الأبد متلازمة ذهنية تبادل التلاوم، والإقصاء المتبادل، وتنزيه النفس وإغفاؤها من تحمل قسطها من المسؤولية فيما آلت إليه حالة البلاد والعباد، ستتحقق الخطوة الأولى نحو الخلاص إن بدأ كل طرف من أطراف المسؤولية في الدولة والطبقة السياسية بمراجعات ذاتية ناجزة، وتحمل تبعات الأخطاء، وفوق ذلك كله أن يرد إلى الشعب حقه في تحديد مصيره ومستقبل نظامه السياسي، إذ لا تمثيل بلا تفويض ومساءلة ومحاسبة، فأم الكبائر اختطاف واحتكار لسان الشعب. ومن هنا نبدأ مسيرة جدية من أجل إصلاح جذري شامل.