من شُرفَة موسم الندوات الخامس بالدوحة … قراءة في الرؤى والأفكار_
Mazin
موفق عبدالرحمن يكتب في جذور و أوراق 🍃
_ وأنا آخذ مقعدي بصعوبة في أعلى القاعة الممتلئة بالحضور والتي تم تخصيصها في المجمع الثقافي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة لتشهد انطلاقة موسم الندوات _ راقني جداََ مواصلة وزارة الثقافة في دولة قطر في تعزيز حضورها الفكري والمعرفي إلى جانب حضورها الفني والابداعي من خلال هذه النسخة الخامسة . وبدا لي بأن هذا الموسم يهدف بالأساس إلى توفير بيئة حوارية جادة تسهم في تعزيز الفكر النقدي وبناء جسور التفاعل بين النخب الفكرية والجمهور بمناقشة أمهات القضايا المعاصرة . وهنا اقول بأن مثل هذه المواسم تُعد _توجهاً_ حصيفاً ومهماََ يُكمل أدوار الوزارة في تهيئة المناخ للمثاقفة والحوار والإبداع ، ويمضي بثبات في اتجاه المواصلة في خلق حالة من الحضور الثقافي الواعي لدولة قطر على خارطة الحراك الثقافي الإقليمي والدولي .
_ إنطلاقة هذا الموسم تمت وسط حضور كبير ونوعي وبتشريف كريم من سعادة وزير الثقافة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني .
_ وبالحديث عن _السياسات__ تعود بي الذاكرة إلى نحو أكثر من عشر سنوات مضت ، كنت حينها أكملت دراسة الدبلوم العالي في الإعلام بجامعة الخرطوم وشرعت في إعداد بحث الماجستير ، حيث وقع اختياري في ذلك الوقت على موضوع _السياسات الإعلامية في السودان_ .. دراسة حالة _ وأتذكر هنا بإمتنان كبير ودعاء أستاذي ومُشرفي -رحمه الله رحمة واسعة- البروفيسور الطيب حاج عطية الذي اجاز لي خطة البحث بثناء وتشجيع _ ولكن لظروف عملي الضاغطة وقتها لم اتمكن من إكمال الدراسة في ذلك المجال الحيوي _ لـتأخذني بعدها المسارات لدراسة ثقافة السلام وفض النزاعات التي أكملت فيها دراسة الماجستير لاحقاً ، إلا أن الشغف بدراسة السياسات عموماً _ والسياسات الثقافية والإعلامية على وجه الخصوص ، ظل حاضراً ومتقداً عندي .
_ شهدت الجلسة الافتتاحية حواراً مفتوحاً وعميقاً حول قضايا فكرية وراهنة مع المفكر الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركزالعربي للأبحاث ودراسةالسياسات _ استوقفتني في هذا الحوار الشامل عدة محطات ومحاور مركزية أجد من المهم المرور عليها في قراءتي هذه .
_ نشأة الهويات الوطنية وتفنيد مقولة (الدولة المأزومة)
تطرق الدكتور عزمي بشارة إلى مسألة نشأة الهويات الوطنية الحديثة في العالم العربي ومسارات تبلور الوعي القومي وتَخلُق الجماعات الوطنية وأكد في ذلك أنها جميعها وليدة سياقات تاريخية وبناءات اجتماعية وسياسية تشكلت بالتوازي مع نشوء الدولة الحديثة . وفي هذا السياق توقف الدكتور عزمي بشارة عند الطرح السائد والتبسيطي الذي يختزل أزمات العالم العربي في غياب هوية وطنية جامعة أو هشاشة التماسك المجتمعي . وأوضح أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الهوية أو انعدامها _ فالشيء المتفق عليه تاريخياً ونسقياً هو أن كل الهويات الوطنية في العالم -وليس فقط في المنطقة العربية- هي هويات حديثة التشكل ، بُنيت بالتوازي مع نشوء الدولة الوطنية وتطور المؤسسات الفضائية والسياسية . وبناءً عليه … يتبين أن الأزمة العربية ليست أزمة (جينات ثقافية) أو تعذر في تكوين الهوية . وأكد على ان التحدي هو في كيفية إدارة هذا التنوع الضخم واستكمال البناء الذي يقوم على أساس حقوق المواطنة ، كما أشار إلى حالة الرفض الدولي الواضح لإعادة فتح الخرائط والحدود _ والوقوف الصلب أمام حالات التشظي والانفصال التي تهدد استقرار المنطقة .
_ المركز العربي والواجب المعرفي
ظهر لي من خلال الجلسة مكانة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كأحد أهم المراكز البحثية في المنطقة وما يتطلع إليه من ترسيخ تقاليد بحثية عالمية . ويظهر ذلك في المنتجات الفكرية ذات القيمة العالية والتطابق المباشر مع الاحتياجات المعرفية للأمة _ ومن أبرزها (معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ) ، والمشروع الواعد ( بناء الموسوعة العربية الشاملة) . واقول … الحديث عن الموسوعة العربية يفتح باب مهم ورئيسي حول بناء المتن المعرفي اللازم للأمة وطرح سؤال معاصر ومُلحّ … من يغذي الذكاء الاصطناعي اليوم ؟ وكيف نحمي المحتوى العربي الرقمي ونسهم في تشكيله بدلاً من الاستهلاك السلبي ؟
_ (غزة) والتحول في الرأي العام العالمي _ لم تكن _غزة_ غائبة عن أروقة النقاش .. واستوقفني في حديث الدكتور تسليطه الضوء على التحول المشهود في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية ، والموجة العارمة من الغضب الشعبي الدولي ضد الأفعال الوحشية والجرائم الإسرائيلية . وأكد النقاش على أهمية استثمار هذا التحول التاريخي _ ولا سيما عبر استيعاب الدور الفاعل لجيل أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين في الغرب _ هذا الجيل الجديد الذي أضحي يقدم نفسه بوضوح وثقة كفاعل أساسي في المجتمعات الغربية بموقف واضح ومتماسك وغير اعتذاري يعبر عن قضايا أمته من قلب الفضاء المعرفي والحقوقي العالمي .
_ انطلاقة موسم الندوات من هذا المنبر المعرفي تؤكد إدراك عميق لأهمية التكامل بين المؤسسات الرسمية والمؤسسات البحثية لبناء رأي عام واعي وقادر على مواكبة التحديات الفكرية والتاريخية التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية .