من روائع الحكي السوداني: “البتفولح لك… اتبوهملو.”

ضياء الدين بلال
“أذكر عندما كنا صغاراً، كنا نظن أنفسنا أذكياء، فنحتال على الكبار حيلاً بسيطة بغرض الحصول على بعض المنافع أو توقّي العقاب…. اكتشفت لاحقاً أن كل حيلنا كصغار كانت مكشوفة أمام كبارنا، لكنهم يتغافلون عنها حتى لا يحرجونا، ويتظاهرون أمامنا بوقوعهم في شباكنا، فقط لتسليتنا، كما يتظاهر الوالد أمام طفله بأنه اندهش من فعله، فننتشي الطفل….
كبرنا قليلاً لنجد أن ذلك التغافل عن استغباء الغير كان عادة لكبارنا، يمارسونه حتى مع أندادهم، يتغافلون عن هفواتهم، يظهرون لهم بمظهر الواقع في حبائلهم، يتظاهرون بالاندهاش لأكاذيبهم، لا يحققون مع المدّعى عليه ولا يستحلفونه، بل يمضون قوله من أول وهلة رغم علمهم بعدم صدقه، وأنه يحاول استغباءهم، وكان الغير يستغلون فيهم هذه الصفة أسوأ استغلال، فيأكلون حقوقهم بالباطل، ويظنون أن فيهم غفلة، فكانوا يطلقون على أحدهم لقب “زول الله ساي” أو “فكي” بمعنى أن الفكي لا يعرف إدارة أمور الدنيا.
كنت أغضب وأنا أشاهد أحدهم يأكل مال عمي مثلاً زوراً وبهتاناً، وعمي يتساهل معه، رغم ذلك كان المحتال يضحك لاحقاً على عمي ويتباهى بذكائه.
ذات يوم قلت لعمي: يابا.. البابور أكلت جالون واحد بس، لكن محمود ساي بقول ليك أكلت جالونين… نظر لي بابتسامة خضراء وقال لي: عااارف يا أحمد يا ولدي، أنا البابور دي عارفها صامولة صامولة، ما حاعرف بتاكل كم جالون؟؟ لكن يا ولدي زول احتاج لحق جالون ومستحي يطلب.. نقوم نحرجه؟ إنت عارف يا أحمد.. عمك عبدالله كان لمن يشوف ناس من الحلة بسرقوا من حواشته ببرك في الواطة يتضارى منهم بقناديل العيش عشان ما يشوفوه، عشان عينه ما تلاقي عيونهم ويتحرجوا منو. وجدك أحمد.. جدك أحمد كان بركب حمارته ويخت العيش في مخلايتين مقدودات.. كل ما يمشي حبة يقع قندول عيش، والجماعة مبارنو يلقطوا في القناديل وهم بضحكوا على “زول الله” الما بعرف عيشه وقع ولا ما وقع دا،
وجدك كان قصده يديهم من غير ما يحسسهم إنو اتصدق عليهم. عشان كدي
يا أحمد يا ولدي.. البتفولح لك… اتبوهملو.
منقول.



