من برلين إلى الخرطوم: لماذا تجاوزنا الآخرون؟

مهند عوض محمود

على مدى ثلاثة أيام في العاصمة الألمانية برلين، شاركت في أعمال المنتدى العربي الألماني التاسع والعشرين ؛ الذي تنظمه سنوياً غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية ( GHORFA)، ويعد المنتدى أحد أهم المنصات الاقتصادية التي تجمع الحكومات والغرف التجارية ومؤسسات التمويل والشركات العربية والألمانية. وبينما كانت جلسات المنتدى تناقش الاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، وجدت نفسي أطرح سؤالاً ظل يرافقني طوال أيام المنتدى: لماذا تجذب دول أقل منا موارد استثمارات أكثر؟ ولماذا نجحت دول عربية عديدة في بناء شراكات اقتصادية عميقة مع أوروبا بينما ما زال السودان، رغم إمكاناته الهائلة، بعيداً عن المكانة الاقتصادية التي يستحقها؟

في الحقيقة، كان السودان حاضراً بصورة مشرفة في المنتدى ؛ فقد نجحت السفارة السودانية في برلين بقيادة سعادة السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد وسعادة السفير إدريس محمد علي في إدراج مائدة مستديرة خاصة بالسودان ضمن الأجندة الرسمية للمنتدى تحت عنوان “السودان: شراكة من أجل التعافي وإعادة التأهيل وإعادة الإعمار”. كما نجحت البعثة في استقطاب عدد من الشركات الألمانية والمؤسسات الاقتصادية للمشاركة في النقاش، وفتحت قنوات تواصل مباشرة بين المستثمرين الألمان والقطاعين العام والخاص السوداني.

ولم يكن ذلك مجرد نشاط بروتوكولي، بل نموذجاً عملياً للدبلوماسية الاقتصادية التي تسعى إلى توظيف العلاقات الخارجية لخدمة الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات والشراكات. كما قدم الوفد السوداني من رجال الأعمال صورة إيجابية عن السودان وفرصه الاقتصادية، واستعرض مشروعات وفرصاً حقيقية في قطاعات التعدين والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي، وهي قطاعات وجدت اهتماماً واضحاً من الشركات الألمانية المشاركة.

لكن ما استوقفني أكثر من أي شيء آخر لم يكن ما قيل عن السودان، وإنما ما قيل عن الدول العربية الأخرى. فالسفير الأردني تحدث عن بلاده باعتبارها مركزاً إقليمياً يربط بين أوروبا والشرق الأوسط ويستقطب الاستثمارات الموجهة لمشروعات إعادة الإعمار والتنمية في المنطقة. كما أشار إلى الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي والتي تبلغ قيمتها نحو ثلاثة مليارات يورو، جزء كبير منها مخصص لدعم الاستثمار والقطاع الخاص، إضافة إلى مؤتمر استثماري كبير سيعقد في المملكة برعاية جلالة الملك عبد الله الثاني وبمشاركة رئيسة المفوضية الأوروبية. وكان لافتاً أن الأردن لم يقدم نفسه باعتباره دولة غنية بالموارد الطبيعية، بل باعتباره دولة غنية بالاستقرار والثقة والمؤسسات والعلاقات الدولية. فالأردن لا يبيع للعالم موارده الطبيعية، بل يبيع موقعه واستقراره وقدرته على الربط بين رأس المال والفرص المتاحة في المنطقة.

أما السفير التونسي فقد تحدث عن العلاقات التاريخية التي تربط تونس بأوروبا منذ عهد قرطاج، وعن نجاح تونس في مواكبة التطور الصناعي والتكنولوجي وبناء قاعدة إنتاجية حديثة مكنتها من الاندماج في سلاسل الإمداد الأوروبية، حتى أصبحت الصادرات التونسية الصناعية والتكنولوجية تجد طريقها بصورة طبيعية إلى الأسواق الأوروبية وعلى رأسها السوق الألمانية. وكانت رسالته واضحة: إن بناء الشراكات الاقتصادية طويلة الأجل يحتاج إلى استقرار السياسات واستمرار التطوير الصناعي والتكنولوجي وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق العالمية.

أما السفير المصري فقد ركز على العلاقات الاقتصادية المتنامية بين مصر وألمانيا، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والتصنيع. وقدّم نموذجاً لدولة استطاعت أن تتحول إلى منصة إقليمية للاستثمار والإنتاج والطاقة من خلال رؤية واضحة ومشروعات محددة ومؤسسات قادرة على التنفيذ، الأمر الذي جعل الشركات الألمانية تنظر إلى مصر باعتبارها شريكاً استراتيجياً طويل الأمد.

وخلال الاستماع إلى هذه التجارب المختلفة أدركت أن ما يجمع هذه الدول ليس حجم الموارد الطبيعية، وإنما وضوح الرؤية الوطنية. فكل دولة كانت تعرف ماذا تريد من العالم، وماذا تعرض على المستثمر، وما هي القطاعات التي تمنحها الأولوية، وما هي الرسالة الاقتصادية التي تسعى إلى إيصالها لشركائها الدوليين.

غير أن المثال الذي استوقفني أكثر من غيره كان المثال اليمني، ليس من باب المقارنة بين بلدين شقيقين تجمعهما ظروف وتحديات متشابهة، وإنما لأن اليمن استطاعت أن تحقق تقدماً ملموساً في مجال استقطاب الاستثمارات والشراكات الدولية رغم ما مرت به من ظروف صعبة خلال السنوات الماضية. فقد حرص الوفد السوداني على حضور المائدة المستديرة الخاصة باليمن برئاسة الأستاذ عبد العزيز المخلافي الأمين العام لغرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية، حيث استعرض المشاركون جهود إعادة تنشيط الاقتصاد اليمني وتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين.

وخلال الجلسة تحدث السفير الألماني لدى اليمن بكل فخر عن حجم الاستثمارات الألمانية القائمة في اليمن والتي تبلغ نحو خمسمائة مليون يورو. وهنا لا تكمن أهمية الرقم في حجمه فقط، وإنما في دلالته. فاليمن، رغم التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي واجهتها، استطاعت أن تبني مستوى من الثقة والشراكة مكّن الشركات الألمانية من الحفاظ على وجود استثماري معتبر داخل البلاد.

ومن هنا يبرز الدرس الذي ينبغي أن نتوقف عنده. فاليمن ليست نموذجاً للمقارنة بقدر ما هي نموذج للاستفادة من التجربة. فإذا كانت دولة شقيقة مرت بظروف بالغة الصعوبة قد نجحت في بناء هذا المستوى من الشراكة الاقتصادية مع ألمانيا، فإن السودان، بما يملكه من موارد وإمكانات ومساحات مستقرة وفرص استثمارية ضخمة، قادر على تحقيق ما هو أكبر من ذلك متى ما توفرت الرؤية الواضحة والبيئة الجاذبة والاستقرار المؤسسي.

عند هذه النقطة بدأت تتضح الصورة. فالقضية ليست قضية موارد فقط، وليست قضية فرص فقط، بل قضية ثقة ورؤية ومؤسسات ورسالة واضحة للعالم. المستثمر لا يقارن بين حجم الذهب في باطن الأرض ولا بين عدد رؤوس الماشية، بل يقارن بين البيئات الاستثمارية وقدرة الدول على إدارة المخاطر وتوفير الشركاء والضمانات وتنفيذ الالتزامات.

فالسودان يمتلك من الموارد ما يفوق كثيراً ما تمتلكه دول سبقتنا اقتصادياً. لدينا ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية تقدر بنحو 148 مليون رأس، واحتياطيات ضخمة من الذهب والمعادن الأخرى، إضافة إلى موقع جغرافي متميز يربط بين العالم العربي وأفريقيا ويطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لكن المستثمر لا ينظر إلى الموارد الطبيعية وحدها، بل ينظر إلى مستوى الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح السياسات الاقتصادية، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها.

ورغم التطورات السياسية التي شهدها السودان خلال الفترة الأخيرة خاصة تعيين حكومة مدنية، فإن كثيراً من دوائر المال والأعمال الدولية ما زالت تنظر إليه باعتباره بيئة عالية المخاطر، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب غياب صورة مستقرة وواضحة لمستقبل الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتباين الرؤى السياسية حول المرحلة المقبلة. وهذا ليس حكماً سياسياً بقدر ما هو تقييم اقتصادي تتبناه البنوك وشركات التأمين ومؤسسات التمويل وصناديق الاستثمار عند اتخاذ قراراتها.

وأعتقد أن أهم ما خرجت به من برلين هو أن السودان يمتلك بالفعل كفاءات دبلوماسية قادرة على فتح الأبواب وخلق الفرص وبناء الجسور مع العالم. وقد أثبتت السفارة السودانية في برلين ذلك بجدارة. غير أن التجربة أكدت في الوقت نفسه أن البعثات الدبلوماسية مهما امتلكت من الخبرة والكفاءة، ومهما اجتهدت في توظيف أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والتجارية، فإن قدرتها على تحقيق اختراقات حقيقية تظل محدودة إذا لم تستند إلى رؤية وطنية واضحة وبرامج اقتصادية محددة ومشروعات جاهزة وسياسات مستقرة داخل البلاد.

فالسفراء يستطيعون فتح الأبواب وجذب اهتمام المستثمرين وبناء الجسور مع العالم، لكنهم لا يستطيعون وحدهم تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات حقيقية ما لم يجد المستثمر دولة تعرف ماذا تريد، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ومشروعات جاهزة للطرح، ورسالة وطنية موحدة تعكس استقرار الاتجاه الاقتصادي للدولة.

إن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يبدأ في الداخل قبل أن يظهر في الخارج. وكلما كانت الرؤية الوطنية أكثر وضوحاً، أصبحت مهمة السفراء أسهل، وأصبحت قدرة السودان على جذب الاستثمارات والشراكات الدولية أكبر وأكثر استدامة. كما أن السودان لا يحتاج اليوم إلى توسيع دائرة خصوماته الخارجية أو الدخول في معارك دبلوماسية جديدة، بل يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة ومنفتحة على الجميع، تقوم على المصالح الوطنية وبناء الشراكات الاقتصادية وتوسيع دوائر التعاون مع العالم العربي وأفريقيا وأوروبا وآسيا.

ففي عالم الاقتصاد لا توجد دولة تنمو بالعزلة، ولا توجد دولة تعيد بناء اقتصادها وهي تدير ظهرها للعالم. لقد خرجت من برلين بقناعة راسخة أن السودان ما زال يمتلك فرصة تاريخية للنهوض، وأن كثيراً من المستثمرين ما زالوا ينظرون إليه باعتباره أحد أكبر الفرص غير المستغلة في المنطقة. لكن الموارد وحدها لا تكفي، والفرص وحدها لا تكفي، وحتى حسن النوايا لا يكفي.

ما نحتاجه هو رؤية وطنية اقتصادية يتفق عليها السودانيون، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ورسالة موحدة للعالم تقول إن السودان مستعد للشراكة والاستثمار والنمو. فالسفراء يفتحون النوافذ على العالم، لكن بناء البيت يبدأ من الداخل.

وعندها فقط لن نضطر إلى تكرار السؤال الذي ظل يرافقني طوال أيام المنتدى في برلين:

لماذا تجاوزنا الآخرون؟

Exit mobile version