من القصواء إلى كامل إدريس: جدلُ العنوان وسَعة التوظيف

خالد محمد أحمد

أنكَر عليَّ أحدُ القرَّاء عنوانَ مقالتي السابقة “دعُوا كامل إدريس فإنه مأمور!”، ورأى أن العبارة لا تستقيم مع موضوع المقالة، لأنها ورَدت أصلًا في شأن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، القصواء، عند قدومه إلى المدينة، إذْ كان الأنصار يتزاحمون إلى الأخذ بخطامها رجاءَ أن ينزِل عليه الصلاة والسلام ضيفًا عندهم، فقال: “دعُوها فإنها مأمورة”.

وقد ذكّرَني هذا التعليق بكاريكاتيرٍ قديم عُرِض في قناة النيل الأزرق عام 2014 كان يقوم على توظيف آيةٍ قرآنية في مقامٍ حياتي ساخر، وهو ما أعاد إلى الذاكرة نقاشًا قديمًا بشأن الاستشهاد بالقرآن الكريم في غير موضع نزوله، أو تنزيل بعض الآيات على وقائعَ معاصرةٍ على وجه القياس والتمثيل، لا على جهة التفسير الحرفي.

والواقع أن هذا الباب تتَّسع فيه الأمثلة في الاستعمال اليومي حتى إننا نُجرِي كثيرًا من العبارات القرآنية على ألسنتنا دون استحضار سياقها الأصلي.

ولعلَّ سورة (يوسف) من أكثر السور حضورًا في الخطاب اليومي لما تنطوي عليه من سردٍ إنساني كثيف عن غيرة الإخوة، والكيد، والظلم، والفراق، والمؤامرة، والحنين، ثم الفرج بعد الشدَّة؛ وكلُّها صورٌ تتكرَّر في الحياة بأشكالٍ شتَّى.

ومن أبرز العبارات التي جرى تداولها أو تكييفها في الاستعمال اليومي:

• “وشهد شاهدٌ من أهلها”، عند ظهور دليلٍ حاسمٍ في نزاعٍ أو خلاف.

• “إن كيدهن عظيم”، وتُستعمَل على سبيل المزاح لوصف النساء بالدهاء.

• “أفتِنا في سبع بقراتٍ سمان”، عند تعقُّد المسائل والتماس تفسيرها.

• “بضاعتنا رُدَّت إلينا”، عند عودة الحقِّ أو رجوع الفضل إلى أهله، وقد سِمعتُ الراحل عبد الكريم الكابلي يستثمر هذا المعنى في حديثه عن أن ما يُقدِّمه إنما هو صدى لما يستقيه من المجتمع، قائلًا “هي بضاعتكم وقد رُدَّت إليكم”.

• “حاجةٌ في نفس يعقوب”، في الدلالة على أمرٍ يكتنفه الإخفاء ولا يُصرَّح به.

• و”فوق كلِّ ذي علمٍ عليم”، والمقصود بـ”عليم” في تمام المعنى هو الله سبحانه وتعالى، لا مجرَّد تفاضلٍ بشري في العلم.

أما الكاريكاتير الذي أشرتُ إليه آنفًا، فكان بعنوان “جولة تفتيشية” يَظهَر فيه زوجٌ يتصبَّب عرقًا إلى جوار زوجته وهي تفتِّش في هاتفه المحمول، ولعلَّه كان يخشى انكشاف أمر “دِريباته”، فأخذ يردِّد في اضطرابٍ قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ}. ومع أن الآية نزلت في المشركين، فقد جرَت عادةُ الناس على استعمالها عند التعرُّض لخطرٍ أو دفع أذىً، أو في مقام الدعاء بالستر وصرف الشرِّ.

ومن أشهر ما يُتداول كذلك قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، إذْ يُستعمَل اليوم في مقام التحفيز مع أن الآية وردَت في شأن التائبين من المتخلِّفين عن الجهاد.

وكُنَّا في مجالس الأنُس إذا سُئل أحدُنا عن غيابه نجيب تلقائيًا “شغلتنا أموالنا وأهلونا” اقتباسًا من سياقٍ قرآني ورد في شأن المتخلِّفين عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.

ومن العبارات الدارجة قولهم “كالحمار يحمل أسفارًا” في وصف مَنْ لا ينتفع بما بين يديه من خيرٍ، وهي مقتطعةٌ من سورة الجمعة، وقد ضُرِبت مَثلًا لمن حُمِّلوا التوراة ثم لم يعملوا بها.

وقد وقعْتُ قبل أكثر من عَقدٍ على دراسةٍ تناولت مسألتين متقاربتين، هما الاستشهاد بجزءٍ من الآية في غير ما وردَت، وتنزيل الآية على واقعةٍ مُستجَّدة على وجه القياس والتمثيل. وقد تساءل الباحث عن وجود ما يؤيِّد ذلك في السُّنة وأقوال السلف، وانتهى إلى أن هذا اللون معروفٌ في كلام العلماء والسلف، لكنه يجري على سبيل القياس والتمثيل لا التفسير القطعي مع ضوابط أهمُّا عدم إغفال السياق الأصلي للآية، واجتناب توظيف القرآن في الهزل أو الاستخفاف، ووجود وجه شبهٍ مُعتبرٍ بين النصِّ والواقعة.

ولعلَّ من يعترض على هذا النمط من التوظيف يضيِّق واسعًا في هذه المسألة حتى لَيَكاد يرى في كلِّ استعارةٍ لعبارةٍ ذات أصلٍ ديني خروجًا عن حُرمتها مع أن العربية في صميم بلاغتها قائمةٌ على التضمين والاقتباس والتمثيل، وأن التداول الإنساني للنصوص والحِكَم قديمٌ في تقريب المعاني وتكثيف الدلالة.

تأسيسًا على ما سبق، فإن عنوان مقالتي (دعُوا كامل إدريس فإنه مأمور!) لم يكن تنزيلًا للنصِّ النبوي، وإنما كان عنوانًا صحفيًا أُريد به إثارةُ فضول القارئ، وشدُّ انتباهه إلى الفكرة المطروحة؛ فمن المعلوم في فنِّ الكتابة الصحفية أن العنوان هو البوابة الأولى إلى النصَّ وأول ما يَصطاد عينَ القارئ ويستوقفها، وأن الجملة الاستهلالية في الاصطلاح الصحفي هي الخطَّاف(Hook) الذي يستدرِج المتلقِّي إلى متابعة القراءة، كما أن الخاتمة الناجحة هي تلك التي تُخلِّف صدىً ممُتدًّا يبقى بعد الفراغ من المقالة، وهو ما يُعرَف اصطلاحًا بـ(Kicker Ending).

وعليه، فإنني لا أميل إلى تضييق فضاء التلميح البلاغي المشروع، ولا إلى تحميل اللغة ما لا تحتمل، ما دام المقصود هو الإيحاء الأدبي وإضاءة المعنى، لا العبث بالنصوص القرآنية المقدَّسة أو الأحاديث النبوية الشريفة، ولا إخراجها عن سياقاتها أو صرفها عن مقاصدها.

Exit mobile version