رأي

من الغضب الى التنظيم: في معنى العمل القاعدي بوصفه فعل أمل وحماية للمستقبل

د.ناهد محمد الحسن

في الأشهر الماضية، وأنا أستمع وأتحاور مع مجموعات شبابية مختلفة، لمستُ تحوّلًا عميقًا يستحق التوقف عنده بجدية واحترام. شباب وشابات كفروا، بالمعنى السياسي لا العدمي، بالأحزاب التقليدية وبالقيادات المدنية كما عرفناها، لا بدافع الفوضوية أو العجز، بل لأنهم شعروا أن ثورة ديسمبر، ثم الحكومة الانتقالية، لم تنقذ الوطن، ولم تلبِّ طموحات الناس، ولم تحمِ دماءهم ولا أحلامهم.

هذا الجيل لم يكتفِ بالهتاف، ولم يتوقف عند “تسقط بس”. التحول الجوهري أنه بدأ يطرح السؤال الأصعب: ثم ماذا؟

كيف نمنع تكرار الخيانة؟

كيف نكسر احتكار التمثيل؟

كيف نبني سياسة لا تُختطف من فوق ولا تُباع في الغرف المغلقة؟

من هنا بدأ التفكير في التحالف، في البناء القاعدي، في عمل سياسي ينشأ من المجتمع لا فوقه، ويتقدم خطوة خطوة بإجماع الناس لا بقرارات النخب. هذا الانتقال من الرفض إلى البناء، من الغضب إلى التنظيم، من الهتاف إلى التفكير في الفعل، هو في تقديري أحد أعظم إنجازات هذا الجيل، حتى وإن لم يكتمل بعد.

في علم النفس السياسي، تُفهم هذه اللحظة بوصفها انتقالًا من الاحتجاج إلى الفاعلية. الاحتجاج يعبّر عن الرفض، أما الفاعلية فتتحمّل مسؤولية البديل. كثير من الثورات تفشل لأنها تبقى في الأولى وتخشى الثانية. ما نراه اليوم هو شجاعة الدخول في منطقة أصعب، منطقة البناء دون ضمانات، ودون يقين بأن النتائج ستكون سريعة أو مُرضية.

غير أن هذا المسار لن يكون سهلًا، ولا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه طريقًا نقيًا بلا عوائق. سيواجه مقاومة من طرفين يبدوان متناقضين لكنهما متشابهان بنيويًا: حملة السلاح، لأن أي تنظيم مدني مستقل يهدد اقتصاد الحرب ومنطق القوة؛ ومحتكرو تمثيل القوى المدنية، لأن أي بناء قاعدي حقيقي يسحب البساط من النخب التي اعتادت الحديث باسم الناس دون تفويض متجدد.

هنا تتجلى أهمية البناء القاعدي لا كحلم رومانسي، بل كصمام أمان تاريخي. في علم الاجتماع، تُظهر التجارب أن المجتمعات الخارجة من العنف تحتاج إلى هياكل كبح، لا إلى شعارات كبرى فقط. البناء القاعدي يؤدي هذا الدور حين يعرف حدوده بوضوح: لا يدّعي أنه بديل جاهز للدولة، ولا أنه سلطة أخلاقية معصومة، بل مساحة تنظيمية تحمي المجتمع من الفراغ، وتمنع إعادة اختطاف السياسة باسم الاستقرار أو الصفقة.

هذا البناء ليس حزبًا سريًا، وليس مشروع سلطة مؤجلًا، وليس كيانًا فوق المجتمع. هو ضمير اجتماعي منظم، قريب من الناس، يراقب ويسائل، يعيد التذكير بمعنى الدولة التي نحلم بها: دولة تحمي لا تفترس، تخدم لا تهيمن، تُدار بالقانون لا بالبندقية. لكن هذا الدور نفسه يحمل مخاطر إن لم يُدار بوعي: خطر التحول إلى نخبة جديدة، خطر الانغلاق الأخلاقي، خطر الحديث باسم الناس بدل الإصغاء لهم.

لهذا، فإن العمل القاعدي الجاد لا يُقاس بصفائه الخطابي، بل بقدرته على تنظيم الاختلاف داخله، وعلى تداول المسؤولية، وعلى بناء آليات محاسبة تمنع إعادة إنتاج الوصاية بأسماء جديدة. من دون هذا الوعي، قد يتحول البناء من أداة حماية إلى تجربة مُحبِطة أخرى.

التاريخ، وهو قاسٍ في دروسه، يقول إن أي عمل قاعدي في سياق عنيف يحتاج وعيًا مضاعفًا. في تجارب أمريكا اللاتينية، وفي جنوب أفريقيا، وفي حركات المقاومة المدنية في أوروبا الشرقية، لم يُترك العمل القاعدي مكشوفًا. كان هناك دائمًا إدراك لمسألة الأمن، لحماية الأفراد، لحدود العلنية.

الشفافية قيمة، لكن التعرية في زمن العنف سذاجة.

المطلوب ليس الاختفاء، بل الحكمة في الظهور، والتدرج في التوسع، وربط كل خطوة بقدرة حقيقية على الحماية.

في الوقت نفسه، لا معنى للبناء القاعدي إن لم يكن حاضرًا في حياة الناس اليومية. مساعدة المتضررين، تنظيم المبادرات الصحية والتعليمية، دعم التعليم البديل، توثيق الانتهاكات، نشر الوعي الحقوقي بلغة بسيطة. الشرعية لا تُكتسب بالبيانات، بل بالفعل المتكرر. في علم النفس الاجتماعي، تُبنى الثقة عبر المنفعة المتبادلة، حين يشعر الناس أن هذا التنظيم يخفف عنهم العبء، يحمي كرامتهم، يصغي لهم، لا يستخدمهم وقودًا ولا منصة.

أما التوثيق، فليس عملًا ثانويًا ولا نشاطًا نخبويا.

الذاكرة، كما يقول بول ريكور، شرط للعدالة. ما لا يُوثَّق يُنسى، وما يُنسى يُعاد إنتاجه. البناء القاعدي هنا لا يلعب دور المؤرخ المحايد، بل دور الحارس الأخلاقي للتجربة، كي لا تُمحى، وكي لا يُعاد تدوير الألم بوصفه قدرًا.

وهنا لا بد من كلمة صريحة للقوى السياسية:

ظهور هذه الأجسام القاعدية ليس تهديدًا لكم، بل مرآة لتقصيركم.

هو سؤال عملي عن علاقتكم بالناس، عن ديمقراطيتكم الداخلية، عن قدرتكم على الإصغاء لا القيادة فقط. من يتعامل مع هذا الحراك بتعالٍ أو تخوين، يؤكد الأسباب نفسها التي دفعت الشباب للبحث عن طريق آخر.

الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة العادلة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالثقافة السياسية التي تحرسها. البناء القاعدي أحد أشكال هذه الحراسة، لا بوصفه طهرًا ثوريًا، ولا ضمانة للانتصار، بل محاولة واعية لإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: بين الناس، مع الناس، وتحت نظرهم.

قد لا ينتصر هذا المسار سريعًا.

قد يتعثر، يُساء فهمه، يُخترق.

لكن مجرد ظهوره، مجرد التفكير فيه، علامة حياة في زمن يريد أن يقنعنا بأن لا بديل سوى السلاح أو الصفقة.

هذا الحراك الشبابي لا يطلب وصاية، ولا يبحث عن قديسين.

يطلب مساحة، حماية، واعترافًا بحقه في التجربة، وحقه في الخطأ والتعلم.

وإن كان لي أن أقول كلمة أخيرة، فهي هذه:

حين يبدأ الشباب في البناء بدل الهتاف فقط، يكون الوطن قد قرر، ولو ببطء، أن يعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى